أما ترى كيف أعقب تفويضه الوقاية من الأسواء والنّصر على الأعداء وبلوغ المراد فتأمّل موفّقا إن شاء اللّه تعالى .
فإن قلت : بيّن لنا معنى التّفويض وحكمه : فاعلم أنّ ههنا فصلين بهما يتّضح الكلام : أحدهما : موضع التّفويض وحكمه ؛ والثّانى : معناه وحدّه وضدّه .
أمّا موضعه : فاعلم أنّ المرادات ثلاثة : مراد تعلم يقينا أنّه فساد وشرّ لا شكّ فيه ألبتّة كالنّار والعذاب ، وفي الأفعال كالكفر والبدعة والمعصية ، فلا سبيل إلى إرادة ذلك ، والثّانى : مراد تعلم قطعا أنّه صلاح كالجنة والإيمان والسّنّة ونحو ذلك ، فلك إرادتها بالحكم ، لا موضع للتّفويض فيه ، إذ لا خطر فيه ولا شكّ أنّه خير وصلاح والثّالث : مراد ولا تعلم يقينا أنّ لك فيه صلاحا أو فسادا وذلك نحو النّوافل والمباحات فهذا موضع التّفويض ، فليس لك أن تريدها قطعا بل بالاستثناء وشرط الخير والصّلاح ، فإن قيّدت إرادتك بالاستثناء
شرح
من أهل النار يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه تعالى إليه يوم القيامة » قال المصنف ( أما ترى كيف أعقب ) سبحانه وتعالى ( تفويضه ) أي العبد الصالح ( الوقاية من الأسواء و ) أعقب ( النصر على الأعداء وبلوغ المراد فتأمل موفقا ) راشدا ( إن شاء اللّه تعالى . فان قلت بين ) أي فصل وأظهر ( لنا معنى التفويض وحكمه . فاعلم أن ههنا ) أي التفويض ( فصلين بهما يتضح الكلام : أحدهما ) أي الفصلين ( موضع التفويض وحكمه . و ) الفصل ( الثاني معناه ) أي بيان معنى التفويض ( وحده وضده . أما موضعه فاعلم أن المرادات ) من الأمور ( ثلاثة ) الأول أمر ( مراد تعلم يقينا أنه ) أي هذا المراد ( فساد وشر لا شك فيه ) أي في فساده وشره ( البتة ) أي قطعا ( كالنار والعذاب ، وفي الأفعال كالكفر والبدعة والمعصية فلا سبيل إلى إرادة ذلك ) المراد المذكور ( والثاني مراد تعلم قطعا ) بلا شك ( أنه صلاح كالجنة والإيمان والسنة ) أي الطريقة النبوية ( ونحو ذلك ) من أنواع الخيرات ( فلك إرادتها ) أي تلك المرادات كالجنة ونحوها ( بالحكم ) أي بالجزم بغير استثناء ( لا موضع للتفويض فيه ) أي في هذا المراد الثاني ( إذ لا خطر فيه ولا شك أنه خير وصلاح . والثالث مراد لا تعلم يقينا أن لك فيه ) أي في الأمر المراد ( صلاحا أو فسادا وذلك ) المراد الثالث ( نحو النوافل والمباحات ، فهذا ) أي المراد الثالث ( موضع التفويض فليس لك أن تريدها ) أي النوافل والمباحات ( قطعا ، بل ) لك أن تريدها ( بالاستثناء وشرط الخير والصلاح ، فان قيدت إرادتك بالاستثناء