تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
الأمر كلّه إلى اللّه سبحانه ، وذلك لأمرين : أحدهما : طمأنينة القلب في الحال ، فإنّ الأمور إذا كانت خطيرة مبهمة لا يدرى صلاحها من فسادها تكون بها مضطرب القلب هائم النّفس ، لا تدرى تقع في صلاح أو فساد ، فإذا فوّضت الأمر كلّه إلى اللّه تعالى علمت أنّك لا تقع إلّا في صلاح وخير فتكون آمنا من الخطر والآفة والمخالفة مطمئن القلب في الحال ، وهذه الطّمأنينة والأمن والرّاحة في القلب غنيمة عظيمة ؛ وكان شيخنا رحمه اللّه يقول في مجالسه كثيرا : دع التّدبير إلى من خلقك تسترح ، وقد أنشد في ذلك :
إنّ من كان ليس يدرى أفي المح * بوب نفع له أو المكروه لحرىّ بأن يفوّض ما يع * جز عنه إلى الّذى يكفيه الإله البرّ الّذى هو بالرّأ * فة أحنى من أمّه وأبيه
شرح
الأمر كله إلى اللّه سبحانه ، وذلك ) أي وجوب التفويض إلى اللّه تعالى ( لأمرين : أحدهما طمأنينة القلب في الحال ، فإن الأمور إذا كانت خطيرة ) أي عظيمة ( مبهمة ) أي غير معينة ( لا يدرى ) أي لا يعلم ( صلاحها من فسادها ) أي الأمور ( تكون بها ) أي بالأمور المبهمة ( مضطرب القلب هائم ) أي متحير ( النفس لا تدرى تقع في صلاح أو فساد ، فإذا فوضت الأمر كله إلى اللّه تعالى علمت ) يقينا ( أنك لا تقع إلا في صلاح وخير فتكون آمنا من الخطر ) أي الخوف ( والآفة والمخالفة مطمئن القلب في الحال ، وهذه الطمأنينة والأمن ) من الخطر ونحوه ( والراحة في القلب غنيمة عظيمة . وكان شيخنا ) أبو بكر الوراق ( رحمه اللّه يقول في مجالسه كثيرا : دع ) أي اترك ( التدبير ) وفوض الأمر كله ( إلى من خلقك ) جل وعز ( تسترح ، وقد أنشد ) شيخنا ( في ذلك ) أي في هذا المعنى من بحر الخفيف ( إن من كان ليس يدرى ) أي يعلم صلاح أمره ( أفي المحبوب نفع له ) أي لنفسه ( أو ) في ( المكروه . لحرى ) أي خليق وجدير ( بأن يفوض ما يعجز عنه إلى الذي يكفيه . الإله ) بالجر بدل من الذي ( البر ) أي المحسن ( الذي هو ) عز وجل ( بالرأفة ) والرحمة ( أحنى ) أي أرحم واشفق ( من أمه وأبيه ) كما روى في الأخبار الصحيحة أنه وقف صبي في بعض المغازي ينادى عليه فيمن يزيد : أي في الثمن ، وذلك في يوم صائف شديد الحر فبصرت به امرأة في خباء القوم ، فأقبلت تشتد وأقبل أصحابها خلفها حتى أخذت الصبى وألصقته إلى صدرها ثم ألقت ظهرها على البطحاء وجعلته على بطنها تقيه الحر ، وقالت : ابني ابني فبكى الناس وتركوا ما هم فيه ، فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر فسر برحمتهم