تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
والثّانى من الأمرين : حصول الصّلاح والخير في الاستقبال ، وذلك لأنّ الأمور بالعواقب مبهمة ، فكم من شرّ في صورة خير ، وكم من ضرّ في حلية نفع ، وكم من سمّ في هيئة شهد ، وأنت الجاهل بالعواقب والأسرار ، فإذا أردت الأمور قطعا وأخذت فيها باختيارك متحكّما ، فما أسرع ما تقع في هلاك وأنت لا تشعر . ولقد حكى أنّ بعض العبّاد كان يسأل اللّه أن يريه إبليس ، فقيل له : سل العافية ، فأبى إلّا ذلك ، فأظهره اللّه تعالى له ، فلمّا رآه العابد قصده بالضّرب ، فقال له إبليس : لولا أنّك تعيش مائة سنة لأهلكتك وعاقبتك ، فاغترّ بقوله وقال في نفسه : إنّ عمرى بعيد طويل فأفعل ما أريد ثمّ أتوب ، فوقع في الفسق وترك العبادة فهلك . ففي هذه ما ينبّهك على ترك الحكم في إرادتك واللّجاج
شرح
ثم بشرهم ، فقال : أعجبتم من رحمة هذه لابنها ؟ قالوا نعم . قال صلّى اللّه عليه وسلّم فإن اللّه تبارك وتعالى أرحم بكم جميعا من هذه بابنها ، فتفرق المسلمون على أفضل السرور وأعظم البشارة ( والثاني من الأمرين حصول الصلاح والخير في ) زمان ( الاستقبال وذلك ) أي مطلوبية التفويض في حصول الصلاح والخير في الاستقبال ( لأن الأمور بالعواقب مبهمة ، فكم من شر ) في نفس الأمر ( في صورة خير ) في الظاهر ( وكم من ضر في حلية ) بالكسر أي صورة ( نفع ، وكم من سم ) قاتل ( في هيئة شهد ) أي في صفة عسل والجمع شهاد ( وأنت الجاهل ) أي الذي لا يعلم ( بالعواقب والأسرار ، فإذا أردت الأمور قطعا ) أي جزما ( وأخذت ) أي دخلت ( فيها ) أي في تلك الأمور ( باختيارك متحكما ) في المصباح تحكم في كذا فعل ما رآه ( فما أسرع ) فعل تعجب ( ما تقع في هلاك وأنت لا تشعر ) أي لا تعلم لجهلك وعدم احتياطك

[ حكى أن بعض العباد كان يسأل اللّه أن يريه إبليس ]

( ولقد حكى أن بعض العباد ) جمع عابد ( كان يسأل اللّه أن يريه ) أي أن يطلع اللّه العابد ( إبليس ) اللعين ( فقيل له ) أي للعابد ( سل اللّه العافية ) من إبليس وغيره ( فأبى ) أي امتنع العابد ( إلا ذلك ) أي رؤية إبليس ( فأظهره ) أي اللعين ( اللّه تعالى له فلما رآه ) أي اللعين ( العابد قصده ) أي قصد العابد ذلك اللعين ( بالضرب فقال له ) أي للعابد ( إبليس ) على سبيل المكر والخداع كما هو عادته ( لولا أنك تعيش مائة سنة لأهلكتك وعاقبتك فاغتر ) أي انخدع العابد ( بقوله ) أي اللعين ( وقال ) العابد المغرور ( في نفسه ) أي في قلبه ( إن عمرى بعيد طويل فأفعل ما أريد ) أي من المشتهيات واللذات ( ثم أتوب ) إلى اللّه تعالي ( فوقع ) المغرور ( في الفسق ) كشرب الخمر والزنا وغيرهما ( وترك العبادة فهلك ) العابد هلاكا لا يرجى فلاحه ( ففي هذه ) الحكاية ( ما ينبهك على ترك الحكم ) والجزم ( على إرادتك واللجاج ) أي التمادي وفي بعض النسخ النجاح ،