تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
قولين : أحدهما : أنّه زاد الآخرة ، ولذلك قال : خير الزّاد التقوى ، ولم يقل حطام الدّنيا وأسبابها ، والثّانى : أنّه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحجّ لأنفسهم اتّكالا على النّاس ، ويسألون النّاس ويشكون ويلحّون ويؤذون النّاس ، فأمروا بالزّاد أمر تنبيه على أنّ أخذ الزّاد من مالك خير من أخذ مال النّاس والاتّكال عليهم ، وكذلك نقول . فإن قلت : فالمتوكّل هل يحمل الزّاد معه
شرح
في قوله تعالى« وَتَزَوَّدُوا »( قولين : أحدهما أنه ) أي الزاد المذكور ( زاد الآخرة ) وهو تقوى اللّه والعمل بطاعته ، وهذا الزاد أفضل من زاد الدنيا لأنه يوصل إلى مراد النفس وشهواتها ، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم في الآخرة ؛ وفي هذا المعنى قال الأعشى :إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد كما كان أرصدا( ولذلك ) أي لأجل أن المراد بالزاد زاد الآخرة ( قال ) سبحانه وتعالى : فإن (خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) وذلك لأن من تزود التقوى نجا ولم يخف في طريقه لأن اللّه مع الذين اتقوا ، ومن التقوى أن لا يقول العبد غدائى من أين لقول الحق «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» . وقال وهب : يقول اللّه تعالى : ابن آدم اتق ونم حيث شئت فالرزق ليس فيه توكل ، وإنما فيه تدبر ويقوي على قدر معرفته بما صبر له ولمن صبر ، ومعنى الصبر حبس النفس على الوعد بمجىء المضمون ومنعها من الحركة والتطلع إلى مجيئه حتى يسوق اللّه الأقسام من أماكنها ، فمتى رجع الصابر إلى سبب يبتدئ فيه بالحركة من نفسه فقد خرج من حالة الصبر ضيقا من تحمل مؤنته ، وهذا مقام المؤمن القوى من المتوكلين ( ولم يقل ) جل وعز« فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ »( حطام الدنيا وأسبابها . والثاني ) من القولين أن المراد بالزاد : هو زاد الدنيا ، وذلك سبب نزول هذه الآية ( أنه ) أي الحال والشأن ( كان قوم ) من أهل اليمن يخرجون للحج ومع ذلك ( لا يأخذون زادا في طريق الحج لأنفسهم اتكالا على الناس ) ويقولون نحن متوكلون ، نحن نحج بيت ربنا أفلا يطعمنا ؟ ( و ) إذا قدموا مكة ( يسألون الناس ويشكون ويلحون ويؤذون الناس ) وربما أفضى بهم الحال إلى النهب والغصب ، ولذا قال ابن الجوزي : قد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية من الخطأ ، ذكره الكرخي ( فأمروا ) أي أهل اليمن ( بالزاد ) أي أخذه ( أمر تنبيه على أن أخذ الزاد من مالك خير من أخذ مال الناس والاتكال عليهم ، وكذلك ) أي مثل المذكور من السؤال . وجوابه ( نقول . فإن قلت : فالمتوكل هل يحمل الزاد معه ) أي مع المتوكل