تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وإلّا فكن مع العوامّ بعلائقهم . ولقد سمعت الإمام أبا المعالي رحمه اللّه
شرح
في الخبر « أوحى اللّه إلى موسى أنى أجعل أرزاق أوليائي على أيدي العاصين ليؤجروا فيهم » فعلم هذا للمتوكلين ، ومعرفة هذه الحكمة لمن أوصل إليهم قسمهم من المؤملين مقام للجمع في المعرفة واليقين فهو مال للمعطي الموصل وطريق للآخذ المتوكل كما في الخبر « ما المعطى من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا » فسبحان مطرق الطرقات ومسبب الوصولات إلى الآخرة بزلف القربات . فان قلت إن الدخول في البادية بغير خفير ولا قافلة ولا زاد سبب للهلاك وقد قال اللّه تعالى« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »فكيف يصح توكله وكيف يكون ذلك مباحا ؟ . فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه في الحضر وجاهدها وسواها وعودها على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشويش خاطر وتعذر في ذكر اللّه تعالى بأن لا تسقط قوته في القيام في صلاته . والثاني قوة الحال وغلبة الأنس ، وهو أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة التي لا تعد قوتا في الجملة ؛ فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر في البوادي في كل أسبوع عن أن يلقاه آدمي أو ينتهى إلى محلة أو قرية أو إلى حشيش يجتزى به فيحيا به مجاهدا نفسه صابرا على الجوع والعطش ، والمجاهدة عماد التوكل وأساسه ( وإلا ) أي إن لم تكن لك قوة قلب باللّه والثقة الكاملة بوعد اللّه كأن لا تطيق الصبر على الجوع مدة ويضطرب عليك قلبك وتتشوش عبادتك ( فكن مع العوام ) أي عوام الناس ( بعلائقهم ) ولم يجز لك ترك الزاد ، ولذلك روى أن أبا تراب النخشبى نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ مرمى في الطريق ليأكله بعد ثلاثة أيام لم يأكل فيها شيئا ؛ فقال له لا يصلح لك التصرف الزم السوق : أي لا تصوف إلا مع التوكل ، ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام ؛ يعنى أن حاله ذلك يدل على عدم كمال شغله باللّه وعدم صبره وشدة ميله إلى الطعام . ومن هذه صفته بقاؤه مع سبب وانتقاله شيئا فشيئا عن عبادته أولى من خروجه عما بيده جملة كما أفاده الزبيدي ؛ وكذلك قال أبو علي الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب نقله القشيري في الرسالة ( ولقد سمعت الإمام أبا المعالي رحمه اللّه ) هو ضياء الدين إمام الحرمين عبد الملك ابن الشيخ أبى محمد عبد اللّه بن أبي يعقوب يوسف بن عبد اللّه بن يوسف بن محمد بن حيويه الجويني نسبة إلى جوين ، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور من أعمال خراسان ، العراقي الشافعي . ولد رحمه اللّه تعالى في ثامن عشر من المحرم عام تسع عشرة وأربعمائة وجاور بمكة والمدينة أربع سنين يفتى ويدرس ويجمع طرق الشافعي ، ومن ثم لقب بإمام الحرمين ، ثم عاد إلى نيسابور فبنى