تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
شرح
فلما سمع ذلك سكن قلبه عن الاضطراب والقلق ، فقد فهمت من هذا أن من انكسرت نفسه وقوى قلبه ولم يضعف بالجين باطنه وقوى إيمانه بتدبير اللّه إياه في سائر أحواله وشؤونه كان مطمئن النفس أبدا واثقا باللّه عز وجل في حسن وفائه وصدق ضمانه فان أسوأ حاله أن يموت ، ولا بد أن يأتيه الموت وإن طال كما يأتي من ليس مطمئنا فإذن تمام التوكل بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب ، والذي ضمن رزق القانعين بهذه الأسباب التي دبرها بلطيف حكمته صادق في وعده وضمانه فاقنع ليصح توكلك ، وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا بما يرد عليك من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك ، ولم تخطر في حسابك ، ولا تكن في توكلك منتظرا للأسباب بل لمسبب الأسباب فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه ، وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد يحمله ، وكذا من يقعد في الأمصار وهو خامل الذكر . وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام المتيسر مرة واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ والأنواع المختلفة وثوب خشن من مستعمل ثياب بلده مما يليق بأهل الدين فهذا يأتيه من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب على الدوام من غير انقطاع بل يأتيه أضعافه فتركه التوكل واهتمامه بالرزق غاية الضعف والقصور ، فإن اشتهاره بسبب ظاهر يجلب الرزق أقوى من دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب . فالاهتمام بالرزق قبيح بذوي الدين أولى الصلاح المتين ، وهو بالعلماء باللّه وأحكامه أقبح لأن شرطهم القناعة ، وهذا الاهتمام يضادها وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير اللّه تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ »وذلك من العلماء أقبح ، فرفع الهمة عن الخلق وعدم الاهتمام بالرزق هو ميزان العلماء وسبار الرجال ، وكما توزن الذوات توزن الأحوال والصفات « وأقيموا الوزن بالقسط » فيظهر الصادق بصدقه والمدعى بكذبه ، وقد ابتلى اللّه تعالى بحكمته العلماء الذين ليسوا بقانعين ولا في وصفهم صادقين بإظهار ما كتموا من الحرص والشره والرغبة وأسروا في أنفسهم من الشهوة فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملائمين موافقين لهم على مآربهم مدفوعين على أبوابهم ، فلقد وسمهم الحق سمة كشف بها عوارهم أولئك هم الكاذبون على اللّه الصادون للعباد عن صحبة أوليائه ، فهم حجب أهل التحقيق وسحب شموس أهل التوفيق ، ضربوا طبولهم ونشروا أعلامهم ولبسوا دروعهم ، فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناكصين . وأما العالم القانع فيأتيه رزقه بل ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد ذلك العالم القانع أن لا يأخذ رزقه من أيدي الناس ، ولا يأكل إلا من كسبه فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل فقط ، ولم يكن له سير بالباطن بالتهذيب والرياضة ، فان الاشتغال بالكسب يمنع من السير بالفكر الباطن إلا أن يكون قويا ممن لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه . فاشتغاله بالسلوك الباطن حينئذ مع الأخذ من يد من يتقرب إلى اللّه تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ للّه عز وجل ، وهذا هو المقصود الأعظم من التوكل بل ومن سائر مقامات الدين ، وفيه أيضا إعانة للمعطى على نيل الثواب وما به تقرب فائدتان إحداهما أفضل من واحدة ، ومن ذلك