تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
هذا دليل على أنّ الإله له * في الخلق سرّ خفىّ ليس ينكشف
فإن قلت : هل تدخل البادية بلا زاد ؟ فاعلم أنّه إن كان لك قوّة قلب باللّه تعالى والثّقة البالغة بوعد اللّه فادخل
شرح
( هذا ) أي انحراف الرزق عن القوى وسهولته على الضعيف ( دليل ) ظاهر يدل ( على أن الإله له ) جل وعز ( في الخلق سر خفى ) عن البشر ( ليس ) ذلك السر ( ينكشف ) عنهم ، ولهذا قال المصنف وغيره : من نظر بعين التأمل إلى مجارى سنة اللّه تعالى التي خلت في عباده علم أن الرزق ليس على قدر الأسباب ، فكم من ذكى محروم ، وكم من غبي مجدود ، ولذلك سأل بعض ملوك الفرس حكيما من حكمائهم عن الأحمق المرزوق والعاقل المحروم عن الرزق ما السر فيه ؟ فقال الحكيم : أراد الصانع جل جلاله أن يدل بذلك على نفسه أنه الواحد الأحد الرازق ، إذ لو رزق كل عاقل وحرم كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه فلما رأوا خلافه علموا أن لا رازق غيره ولا ثقة بالأسباب الظاهرة لهم . قال الشاعر :ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا * هلكن إذن من جهلهن البهائموالحاصل أن من كان ذا معلوم من حرفة أو معتاد من الفىء لم يصح توكله مع سكونه إليه وطمأنينته به لأن ذلك علة في حاله وحيرة لتوكله ، وقد يصح التوكل مع ذلك بثلاث معان : أن لا يعوض منه عوضا يقوم مقام السبب الواصل إليه ، وأن يقطع همه عنه وعن جميع الخلق ، وأن يكون منقطعا إلى اللّه تعالى مشغولا بخدمته لا بطالا مروحا لنفسه

[ هل ندخل في البادية بلا زاد أم لا ندخل ؟ ]

( فان قلت هل تدخل في البادية بلا زاد ) لأصحح توكلي أم لا تدخل ؟ ( فاعلم أنه ) أي الحال والشأن ( إن كان لك قوة قلب باللّه تعالى ) بأن ترى أن الأفعال كلها للّه تعالى فإنه المحرك لك ، والمسكن لك ( والثقة البالغة ) أي الكاملة ( بوعد اللّه ) وضمانه ( فادخل ) في البادية على قدم التوكل ، لكن هذا ليس شرطا في صحة التوكل بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الأولين من السلف الصالحين ولا يزول التوكل به بعد أن يكون الاعتماد على فضل اللّه تعالى ، لا على الزاد ، ولكن فعل ذلك : أي ترك استصحاب الزاد في الأسفار جائز ؛ وهو من أعلى مقامات التوكل كما روى أن أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز رحمه اللّه تعالى ، وكان من المتوكلين قال : كنت في البادية علي قدم التوكل فنالنى جوع شديد بعد مضى عشرة أيام فغلبتني نفسي أن أسال اللّه طعاما يرزقنيه فآكله فقلت ليس هذا من أفعال المتوكلين فان مقتضى هذا المقام تغليب علمه تعالى بحال العبد وعدم المبادرة إلى السؤال فإنه سوء أدب فطالبتنى أن أسأل اللّه صبرا على الجوع ، فلما هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ويقول :ويزعم أنه منا قريب * ونحن لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جهدا * كأنا لا نراه ولا يرانا