فإن قيل : فالثّواب والعقاب أيضا مكتوب في اللّوح المحفوظ ، ثمّ يلزمنا طلب الثّواب وترك موجب العقاب ، فهل يزيد بالطّلب أو ينقص بالتّرك ؟ .
فاعلم : أنّ طلب الثّواب إنّما وجب لأنّ اللّه أمر به أمرا حتما ، وأوعد على تركه ولم يضمن الثّواب على غير فعل منّا ، وزيادة الثّواب والعقاب بفعل العبد ؛ والفرق بينهما في نكتة ، وهي ما قاله بعض علمائنا : إنّ المكتوب في اللّوح قسمان : قسم مكتوب مطلقا من غير شرط وتعليق يفعل العبد ، وهو الأرزاق والآجال ، أما ترى كيف ذكرهما اللّه تعالى مطلقا غير مشروط ، قال اللّه تعالى :
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها )
وقال تعالى :
( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ *
شرح
تولى اللّه كفايته في الحضر تولى كفايته في السفر ، ومن كان معتمدا على تكلفه وحيلته لم يهيأ له أن يفارق العمران ، ولو أن عبدا مع مولاه في السفر لكان قلبه قد سكن إليه أن يطعمه حيث سافر معه ؛ وهكذا من علم أن اللّه سبحانه معه لم يحتج أن يحمل زادا ولا إداوة ، ويصحح ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للسائل وقد أعطاه تمرة : « لو لم تأتها لأتتك » دلالة على ترك الحركة وتوبيخا له في حركته بعد حجة الضمان لمجيء الأرزاق لوقتها ونهيا له عن السعي إلا ما وقع التصديق بمجيئه لوقته . قال صاحب القوت : وهذا طريق الأقوياء الصابرين وليس هذا طريق الضعفاء المريدين ، إذ لا يقاس الضعيف الجزوع بالقوى الصبور . وكان منهم إبراهيم الخواص وأبو تراب النخشى وذو النون المصري وحاتم الأصم وعلي الرازي فان هؤلاء خصوص المتوكلين وما جرى لهم من الوقائع يدل على أحوالهم ( فان قيل فالثواب والعقاب أيضا ) أي كالرزق ( مكتوب ) مقدر ( في اللوح المحفوظ ثم يلزمنا طلب الثواب ) بفعل الطاعة ( وترك موجب العقاب ) بترك المعصية