تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ )
ولو كان بالطّلب يزيد وبالترك ينقص ، لكان للأسى والفرح موضع إذا هو قصّر وتوانى ، حتّى فاته وجدّ وشمّر حتّى حصّله ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم للسّائل : « هاك لو لم تأتها لأتتك » .
شرح
ساكنان الألف والواو التي هي الفاعل فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار وزنه تفعون لأن لامه التي هي الياء المنقلبة ألفا قد حذفت والمصدر أسى فهو مقصور ، فيقال أسى أسى مثل جوى جوى . فقول بعض النحاة عند الاستشهاد بهذه الآية في باب النواصب والتقدير لأجل عدم إساءتكم فيه نظر لما علمت من أن مصدر هذا الفعل أسى لا إساءة . وفي المصباح وأسى أسى من باب تعب حزن فهو أسى على فعيل مثل حزين . وفي المختار وأسى على مصيبته من باب عدا أي حزن ، وأسى له : أي حزن له ( على ما فاتكم ) من نعم الدنيا لأنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم كما ذكره القرطبي ( ولا تفرحوا ) فرح بطر ، بل فرح شكر على النعمة ( بما آتاكم ) أي بما أعطاكم اللّه من النعم : أي ولا بما فاتكم من المصائب لأنه لم يقدر لكم ولو قدر لحصل ، فان من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر ، وفي الحديث « من علم سر اللّه في القدر هانت عليه المصائب » . قال عكرمة : ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا الفرح شكرا والحزن صبرا . قال صاحب الكشاف : إن قلت ما من أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح . قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر اللّه ورجاء ثواب الصابرين ، والفرح المطغى الملهى عن الشكر ، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة اللّه والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما واللّه أعلم . وقال جعفر بن محمد الصادق : يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت ؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت ؟ ( ولو كان ) الرزق ( بالطلب يزيد وبالترك ينقص لكان للأسى ) أي الحزن ( والفرح موضع إذا هو ) أي العبد ( قصر وتوانى ) أي تأخر في الطلب ( حتى فاته ) الرزق ( و ) إذا هو ( جد ) أي اجتهد ( وشمر ) أي جد في طلبه فهو مرادف لما قبله ( حتى حصله ) أي الرزق ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم للسائل ) الذي ناوله التمرة ( هاك ) ها اسم فعل بمعنى خذ ، ويجوز مد ألفها ويستعملان بكاف الخطاب وبدونها ( لو لم تأتها ) أي هذه التمرة ( لأتتك ) أي تلك التمرة . قال العراقي : رواه ابن حبان في كتاب روضة العقلاء من رواية هذيل بن شرحبيل ، ووصله الطبراني عن هذيل عن ابن عمر ورجاله رجال الصحيح . ( مهمة ) قال الخواص : الذي قيد أن يسرح في الأرض حيث شاء فله تصديقه بمجىء الأرزاق إليه حيث كان وضعف علمه بأن اللّه معه في كل مكان ، وأن اللّه تعالى يضيق حيث يشاء ويوسع حيث يشاء ، ويؤمن حيث يشاء ، ويخيف حيث يشاء ، فمن كان ناظرا إلى اللّه تعالى فيما يفتح له أسباب الرزق معتمدا عليه في استخراجه كان البر والبحر والحضر عليه سواء ، لأن من