سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 107
فإن قلت : هل يزيد الرّزق بالطّلب وهل ينقص بترك الطّلب ؟ قلت : كلّا ، فإنّه مكتوب في اللّوح المحفوظ مقدّر ومؤقّت ولا تبديل لحكم اللّه ولا تغيير لقسمته وكتابه ، هذا هو الصّحيح عند علمائنا رضى اللّه عنهم ، خلاف ما ذهب إليه بعض أصحاب حاتم وشقيق فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأنه لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ؛ ولكن قد يتأخر عنه والصبر ممكن إلى أن يتفق وصوله ، ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد ليه ففعله ذلك حرام ، لأنه تسبب لإهلاك النفس نظرا لظاهر الشرع ، وكان هذا لعموم المتوكلين ، وإلا فقد نقل صاحب القوت عن بعضهم قال : قلت لبعض السلف لو أن عبدا دخل بيتا وطين عليه بابا ولا يعلم به أحد أكان رزقه يأتيه ؟ فقال نعم . فقلت ومن أين يأتيه ؟ فقال من حيث يأتيه ملك الموت انتهى . وإن فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة من ذكر وقراءة ومراقبة وغيرها من أنواعها فالكسب والخروج إلى الناس ومعاملتهم أولى له ، ولكن ليس فعله ذلك حراما إلى أن يشرف على الموت ، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال إن لم يمكنه الكسب والكسب إن كان مطيقا له ، وإن كان مشغول القلب باللّه غير مستشرف إلى الناس ، ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه بل تطلعه إلى فضل اللّه تعالى مع كمال الحال وغلبة الأنس واشتغاله باللّه فهو أفضل وهو من جملة التوكل ، كما قاله المصنف في غير هذا الكتاب [ هل يزيد الرزق بالطلب وهل ينقص بترك الطلب ؟ نبذة من الكلام على شقيق الزاهد ] ( فإن قلت هل يزيد الرزق بالطلب ) أم لا ؟ ( وهل ينقص ) الرزق ( بترك الطلب ) أم لا ؟ ( قلت كلا ) كلمة ردع وزجر عن القول بزيادة الرزق بالطلب ونقصانه بتركه ( فإنه ) أي الرزق ( مكتوب في اللوح المحفوظ مقدر ومؤقت ، ولا تبديل لحكم اللّه ولا تغيير لقسمته ) تعالى ( وكتابته ) أي لذلك الرزق ( هذا ) أي المذكور من الجواب ( هو الصحيح عند علمائنا ) معاشر الصوفية ( رضى اللّه عنهم ) حال كونه ( خلاف ما ذهب إليه بعض أصحاب حاتم ) بن علوان الأصم ، وقد تقدمت ترجمته ( و ) أصحاب ( شقيق ) هو أبو علي شقيق بن إبراهيم البلخي من مشايخ خراسان له لسان في التوكل ، وكان أستاذ حاتم الأصم . قيل كان سبب توبته أنه كان من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إلى أرض الترك وهو حدث فدخل بيتا للأصنام فرأى خادما للأصنام فيه حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابا أرجوانية ، فقال شقيق للخادم إن لك صانعا حيا عالما قادرا فاعبده ، ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ، فقال : إن كان كما تقول فهو قادر على أن يرزقك ببلدك فلم تعنيت إلى ها هنا للتجارة ، فانتبه شقيق وأخذ في طريق الزهد . وقيل كان سبب زهده أنه رأى مملوكا يلعب ويمرح في زمان قحط وكان الناس مهتمين به ، فقال شقيق ما هذا النشاط الذي فيك أما ترى ما فيه الناس من الجدب والقحط ؟ فقال ذلك المملوك وما على من ذلك ولمولاى