ثمّ إنّ اللّه تعالى ضمن لك ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب ، قال اللّه تعالى :
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها )
ثمّ كيف يصحّ أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه ، إذ لا يعرف أىّ سبب منها رزقه الّذى يتناوله لا غير ، والّذى يصير سبب غذائه وتربيته لا غير ، فالواحد منّا لا يعرف ذلك السّبب بعينه من أن يحصل له فلا يصحّ تكليفه ، فتأمّل راشدا ، فإنّه بيّن .
ثمّ حسبك أنّ الأنبياء صلوات اللّه عليهم والأولياء المتوكّلين لم يطلبوا رزقا في الأكثر والأعمّ وتجرّدوا للعبادة ، وبالإجماع أنّهم لم يكونوا تاركين لأمر اللّه تعالى ولا عاصين له تعالى في ذلك ، فتبيّن لك أنّ طلب الرّزق وأسبابه ليس بأمر لازم للعبد .
شرح
الهوى وبقي الموالى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها لهم وضرب بها المثل بينها وبينهم إن هم اختاروه كان ذلك لهم ( ثم إن اللّه تعالى ضمن لك ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب قال اللّه تعالى« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها »ثم كيف يصح أن يأمر ) اللّه تعالى ( العبد بطلب ما ) أي من الرزق ( لا يعرف إمكانه فيطلبه ، إذ لا يعرف ) أي العبد ( أي سبب منها ) أي من الأسباب ( رزقه الذي يتناوله ) أي الرزق ( لا غير ) أي غير الرزق الذي يتناوله ويحصله ( و ) لا يعرف أي ( الذي يصير سبب غذائه وتربيته ) أي العبد ( لا غير ) أي غير الذي ذكر ( فالواحد منا لا يعرف ذلك السبب بعينه من أين يحصل ) أي السبب ( له ) أي للواحد ( فلا يصح تكليفه ) أي الواحد لطلب السبب ( فتأمل ) أي تفكر هذا الذي ذكرناه من الجواب بقولنا قيل له ( راشدا ) أي إصابة للصواب ( فإنه ) أي الذي ذكرناه ( بين ) أي واضح ( ثم حسبك ) أي كفاك ( أن الأنبياء صلوات اللّه ) وسلامه ( عليهم ) أجمعين ( و ) أن ( الأولياء المتوكلين ) على ربهم ( لم يطلبوا رزقا في الأكثر والأعم وتجردوا للعبادة ، وبالإجماع إنهم ) أي الأنبياء والأولياء ( لم يكونوا تاركين لأمر اللّه تعالى ولا عاصين له تعالى في ذلك ) أي أمره تعالى ( فتبين ) أي ظهر ( لك ) بهذا الذي ذكرناه من أنهم تجردوا لعبادة مولاهم ( أن طلب الرزق وأسبابه ليس ) أي ذلك الطلب ( بأمر لازم للعبد ) ولكن الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية ، فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب الخفي لا إلى السبب . فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب ؟ .