لا بمعنى الإيجاب والإلزام .
فإن قيل : لكن لهذا الرّزق المضمون أسباب ، هل يلزمنا طلب الأسباب ؟
قيل له : لا يلزمك ذلك ، إذ لا حاجة للعبد إليه ، إذ اللّه سبحانه يفعل بسبب وبغير سبب ، فمن أين يلزمنا طلب السّبب ؟
شرح
الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد ، وقال : اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ( لا بمعنى الإيجاب والإلزام ) وأما قولهم إن ما كان ممنوعا منه إذا جاز وجب كقطع اليد في السرقة . فيجاب بأنها قاعدة أكثرية لا كلية بدليل سجودى السهو والتلاوة في الصلاة كما صرح به شيخ الاسلام زكريا الأنصاري ( فإن قيل : لكن لهذا الرزق المضمون أسباب هل يلزمنا طلب الأسباب ) أم لا ؟ ( قيل له ) أي للقائل المذكور ( لا يلزمك ذلك ) أي طلب الأسباب ( إذ لا حاجة للعبد إليه ) أي الطلب ( إذ اللّه سبحانه يفعل بسبب وبغير سبب ، فمن أين يلزمنا طلب السبب ؟ ) ولذلك قال أبو يعقوب السوسي : المتوكل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدع لا يصح له التوكل ، ولهذا قال الخواص . التوكل هو الاكتفاء بعلم اللّه فيك من تعلق القلب بسواه . قال عامر بن عبد اللّه : قرأت ثلاث آيات من كتاب اللّه استغنيت بهن على ما أنا فيه ، فاستغنيت بقوله تعالى« وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ » .قلت إن أراد أن يضرني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني ، وقوله سبحانه« فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ »فاستغنيت بذكره عن ذكر من سواه ، وقوله تعالى« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها »فو اللّه ما هممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت . والحاصل أن حال المتوكل سكون القلب عن الاشتراك وقطع الهم عن التطلع لما بأيدي الناس وعكوف القلب على المدبر الحق مشغول الفكر بقدرة المقدر لا يحمله عدم الأسباب على ما حذره العلم عليه وذمه ، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالى في اللّه ويعادى فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة ولا يدخله طوارق الحاجات ونوازل الضرورات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو في السكوت عن حق أن يلزمه أو يوالى عدوّا أو يعادى وليا ليرى بذلك حاله عندهم أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكف عنهم ولا يرى الصنعة التي قد عرف بها لقوة نظره إلى الصانع ولا يتصنع لمصنوع دخيلة لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ولا يسكن إلى عادة عن خلق ولا يثق بمعتاد من مخلوق ، فهذه المعاني من فرض التوكل .