تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
شرح
فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه دخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه معتمد عليه واثق به في حركته مكتسب فيما يقلبه فيه مولاه متيقن فيما يسببه له ويوجهه فيه وكيله ، وهو عالم بأن اللّه تعالي قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتيح رزقه مجتمع الخلق بجانبه غير متشتت بتفرق همه ، متبع للسنة والأثر تارك للترفه والنعمة ، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها وسكن إلى سكون نفسه في بطالتها وفراغها من هم الآخرة طلبا لراحتها ، ومن دخلت عليه الآفة في ترك التكسب فليخرج منها إلى الاحتراف ، ومن دخل عليه اليقين واقتطع فليقعد عن الاكتساب ، ومن اعتل بالتكسب فليداو بتركه ، ومن صح فيه وأوجبه الحكم فليكتسب والتكسب خير من التشوّف إلى الخلق ومن الطمع فيهم ، واعتياد المسألة وسالكه على طريقه فهو يصل وإن كان في طريقه بعد ، والتوكل إذا اعتد به واقتطع عن أربه ناظرا إلى الوكيل منتظرا للوارد متفرغا للفوائد أفضل إذا صح في ذلك وصدقت حاله واستقام عليه فهو طريق قريب وسالكه مقرب . قال السرى رحمه اللّه : في قوله تعالى« وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً »إن المتقى لا يكون رزقه من كسبه لأن اللّه تعالى يقول« وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »فكأنه يقول اجعلنا إماما للمتوكلين الذين أرزاقهم لا من أكسابهم بل من حيث لا يحتسبون ، وهؤلاء هم أهل الصفوة والصفاء الصوفيون الذين توكلوا على اللّه للّه باللّه لا في الأرزاق ولا في العالم يد عليهم من الإرفاق كما قال قائلهم : الدنيا فانية والآخرة باقية والأرزاق مفروغ منها فعلى ما ذا أتوكل عليه أن لا يبعدني من قربه . وقال بعضهم : الاعتماد على الخلق هو الخذلان ومن اعتمد بسوى ربه في توكله خاب سعيه . وقال إبراهيم الخواص : أكثر الخلق تعلقوا بالأسباب فإذا صحت المعرفة للّه بالقلب سكن القلب إلى ما في الغيب أشد من سكونه إلى ما في اليد من الأسباب الظاهرة ، لأن ما في يد العبد لا يدرى ما يحدث اللّه فيه وماله عند اللّه هو الباقي يأتي به على أوقاته ، فإذا كان القلب قويا عند زوال الدنيا وإدبارها متبرما بما في اليد منها صح التوكل وإذا ضعفت المرآة في القلب ركن القلب إلى الأسباب وخاف من زوالها قبل أن تزول ، فان زال منها شئ لحق القلب الجزع والتغير من خوف الفقر . قال بعض المحققين في قوله تعالى« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ »أي ما أريد أن يرزقوا خلقي «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ» : أي إنه لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه فذكر اللّه في هذه الآية الوجوه الثلاثة من تصرف العبيد التي أباحها للموالى ، ثم اختار لنفسه أحدها وهو الخدمة وعليه الكفاية ، واختار من العبد أحدها فجعلها عديدة وتنزه عن أحدها وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الاطعام لأنفسهم وهو التكسب وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض « وله المثل الأعلى في السماوات والأرض » فبقي العبد من اللّه بحكمين : [ أحدهما ] مع اختياره لنفسه من العبادة ، وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عبيد الرحمن لا عبيد الدنيا . [ والثاني ] ما صرف العبيد من التكسب لأنفسهم جعل ذلك رزقا منهم لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 105 | السيد احمد بن زيني دحلان