تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
مريدا
شرح
كون الباري تعالي عالما قادرا ، والدليل عليه صدور الأفعال المحكمة المتقنة عنه مثل خلق السماوات والأرض وغيرها من الصنائع والبدائع في عجائب التركيب ، ويدل ذلك قطعا على كون صانعها عالما بها قادرا عليها ، فان من يرى خطا منظوما أو ديباجا منسوجا ويجوز . أي يظن صدوره من جاهل به عاجز عنه يكون عن حيز العقل خارجا عنه وفي تيه الجهل والجا اه قال السبكي في شرح الحاجبية . اعلم أن القادر عند أهل السنة هو المتمكن من الفعل والترك بحسب الداعي الذي هو الإرادة وإن شئت تقول . هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، وتقول هو الفاعل على مقتضى العلم والإرادة ، وأهل النظر العقلي من أهل السنة يقولون إن كل ما تتوقف دلالة السمع عليه لا يكفي فيه السمع ، فأقوى دليل لهم على أنه تعالى قادر بذلك التقدير أن يقال قد ثبت حدوث العالم كما مر ، فصانعه لو لم يكن قادرا للزم تخلف المعلوم عن علته وهو محال . أما الملازمة فلأن صانع العالم قديم فلو لم يكن على ذلك التقدير قادرا فكان موجبا بالذات لزم التخلف المذكور ، وأيضا لو كان موجبا لزم من ارتفاع العالم ارتفاعه ، لأن ارتفاع الملزوم من لوازم ارتفاع اللازم ، لكن ارتفاع الواجب محال . ( تنبيه ) والمحدث يقول : قال اللّه تعالى« قُلْ هُوَ الْقادِرُ ،وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » *وأما الصوفي فيقول كيف لا يكون قادرا وهو قد أقدر العباد على طاعته وجعل ذلك صفة كمال فيهم وهو أولى بالكمال ، بل هو منفرد به فلا قادر في التحقيق إلا هو ، إذ لا فاعل إلا هو ، وأيضا فإنا إذا نظرنا في أنفسنا واستقرينا من أحوالنا وجدنا ما يبدو في ذواتنا من الأفعال على قسمين : منها ما يكون مصحوبا باعتبارنا كزيادة مقدار أجسامنا طولا وعرضا ، وما كان من هذا القبيل فهو يقف عند أمر خاص ولا يمر إلى غير نهاية ، فنسبة وقوفه عند ذلك الحد كنسبة وقوفنا في المتحرك فيه ووقوفنا فيما يتحرك فيه فعل اختياري ، ووقوف أجسامنا عند حدها فعل اختياري وكل اختياري لا يكون عن موجب ولا عن طبع وما لا يكون عن موجب ولا عن طبع فهو قادر ، فالفاعل لذواتنا قادر ، ولا يكون ذلك الفاعل إلا اللّه ، إذ ما سواه مثلنا ، والكلام فيه كالكلام فينا كذا أفاده العلامة الزبيدي ( مريدا ) لأفعاله جل وعز فلا موجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته ، فهو المبدئ المعيد ، والفعال لما يريد . اعلم أن المريد لم يرد به السمع على هذه الصيغة وإنما ورد بصيغة الفعل ، ولكن إطلاق مريد مما ثبت بالإجماع ، وبالجملة فالمريد أو الذي يريد أو أراد هو الذي يخصص فعله بحالة دون حالة لصفة قائمة به اقتضت ذلك ، وتلك الصفة هي الإرادة وهي كما قال السنوسي : صفة أزلية تؤثر في اختصاص أحد طرفي الممكن : من وجود وعدم أو طول أو قصر ونحوها بالوقوع بدلا عن مقابله اه .