[ الكلام على صفتي السمع والبصر ]
سميعا بصيرا
شرح
القطب سيدي أحمد الدردير ، وكلامه تعالى يقتضى معنى يدل عليه دلالة مستمرة بلا انقطاع أزلا وأبدا فهو تعالى به آمرناه مخبر فهو في نفسه واحد وتكثره إنما هو بتكثر التعلقات كالعلم والقدرة ولذا قسموه إلى أمر ونهى وخبر واستخبار فمن حيث اقتضاؤه فعلا أو تركا يسمى أمرا ونهيا ومن حيث تعلقه بثبوت أمر لأمر أو نفيه يسمى خبرا . قال الشمس الرملي : القرآن العزيز يطلق عليه شرعا إطلاقا حقيقيا لا مجازيا أنه مكتوب في ألواحنا ومصاحفنا بأشكال الكتابة وصور الحروف الدالة عليه . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تسافر القرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن يناله العدوّ » ولهذا قال بعض أصحابنا إنه ينعقد اليمين بالمصحف في حالة الإطلاق وأنه مقروء بألسنتنا بحروفه الملفوظة المسموعة بآذاننا ، ولهذا حرمت قراءة القرآن على ذي الحدث الأكبر وأنه محفوظ بأذهاننا في صدورنا ، واتصاف القرآن بهذه الأوصاف الثلاثة ، وبأنه غير مخلوق : أي موجود أزلا وأبدا اتصاف له باعتبار وجودات الموجودات الأربعة ، فإن لكل موجود وجودا في الخارج ووجودا في الذهن ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة فهي تدل على العبارة ، وهي على ما فعل في الذهن وهو على ما في الخارج . فالقرآن باعتبار الوجود الذهني محفوظ في الصدور وباعتبار الوجود اللساني مقروء بالألسنة ، وباعتبار الوجود البناني مكتوب في المصاحف ، وباعتبار الوجود الخارجي وهو المعنى القائم بالذات المقدسة ليس في الصدور ولا في الألسنة ولا في المصاحف واللّه أعلم .
ودليل الأشاعرة والماتريدية في إثبات صفة الكلام واحد قالوا لو لم يكن صانع العالم متكلما للزم النقص وهو محال ، أما الملازمة فإن صانع العالم حي وكل حي فهو اما متكلم أو مؤف والآفة نقص فتعين أن يكون متكلما وهو المطلوب ، وقد يستدل المحدث أيضا على إثبات صفة الكلام له تعالى بما تقدم ، وأما الصوفي فيقول : الكلام صفة كمالية إذ مرجع ذلك إلى الانباء عن الشئ وكل الأشياء قابلة للانباء ، فلا بد من حصول تلك الصفة علي كمالها وحصولها على الكمال لا يكون إلا بحيث لا موقع لنقيضها ، وذلك لا يكون في واجب الوجود فواجب الوجود له تلك الصفة الكمالية إذ هو الذي له الكمال المطلق وهو المطلوب ( سميعا بصيرا ) بلا جارحة وحدقة ولا أذن كما أنه تعالى عليم بلا دماغ وقلب فليس سمعه كسمع المخلوق الذي هو قوة مودعة في مقعر الصماخ يتوقف إدراكها للأصوات علي حصول الهواء الموصل إلى الحاسة وتأثر الحاسة ولا كبصر المخلوق الذي هو قوة مودعة في العصبتين المجوفتين الخارجتين من الدماغ بل المراد بالسمع صفة وجودية قائمة بالذات شأنها إدراك كل مسموع وان خفى ، والمراد بالبصر صفة وجودية قائمة بالذات شأنها إدراك كل مبصر وان لطف لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم والتفكير . قال مصنفنا أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى : البصير هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى مع التنزيه عن أن يكون بحدقة وأجفان والتقديس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان ، فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضى للحدثان وإذا نزه عن