تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
متكلما
شرح
والمعنوية ، وكل من كان كذلك تجب له الحياة ينتج : اللّه يجب له الحياة إذ لا يتصور قيامها بغير حي ، وحياة اللّه لا بروح بخلاف حياة الحادث فإنها بالروح كما أفاده الصاوي فثبت بهذا أن يكون جلّ وعزّ حيا مطلقا ، وهو الذي تندرج جميع المدركات تحت إدراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول ، وذلك هو اللّه تعالى ، فهو الحي الكامل المطلق ، وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله ، وكل ذلك محصور في قلة ، وبرهانه أن من ثبت علمه وقدرته ثبت بالضرورة حياته ، وأيضا دلنا عليه أن العالم فعله ويستحيل صدور الفعل عن الميت والجماد إذ لو تصور قادر عالم فاعل مدبر للكائنات دون أن يكون حيا لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عند ترددها في الحركات والسكنات بل في حياة أرباب الحرف والصناعة إذ لا يتصور قيام هذه الأوصاف المذكورة من القدرة والعلم والعقل والتدبر بغير حىّ وتصور قيامها بغير حي جحود وعناد ، يل انغماس في غمرة الجهالات أعاذنا اللّه منها ( متكلما ) بكلام ، وهو وصف قائم بذاته ، أما قيامه بذاته فلأنه تعالى وصف نفسه بالكلام في قوله تعالى« قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً »وقوله« وَقُلْنا يا آدَمُ »ومواضع أخرى كثيرة ، والمتكلم الموصوف بالكلام لغة من قام الكلام بنفسه ، لامن أوجد الحروف في غيره وليس بصوت ولا حرف ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره ، لأنه صفة من صفات الربوبية ولا مشابهة بين صفات الباري وصفات الآدميين ، فإن صفات الآدميين زائدة على ذواتهم لتكثر وحدتهم فتقوم أنفسهم بتلك الصفات وتتعين حدودهم ورسومهم بها وصفه الباري تعالى لا تحد ذاته ولا ترسم فليست إذا بشيء زئد على الباري تعالى . ثم اعلم أن الكلام عند أهل الحق كما يقال على المعنيين ، يقال على النظم المركب من الأصوات والحروف ، وهو الكلام اللساني ، وعلى المعنى القائم بالنفس ، وهو المسمى بالكلام النفساني وهذا الإطلاق بالاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز . والمختار عند الأشاعرة الأول : أي أنه مشترك بين الألفاظ المسموعة وبين الكلام النفسي ، وذلك لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما ، والأصل في الإطلاق الحقيقة فيكون مشتركا ، أما استعماله في العبارة فكثير كقوله تعالى« يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ- فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ »ويقال سمعت كلام فلان وفصاحته : يعنى ألفاظه الفصيحة . وأما استعماله في المعنى النفسي وهو مدلول العبارة فكقوله سبحانه« وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ -وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ »والقول يقال على ما يقال عليه الكلام إما بترادف أو تباين الخاص والعام . وقيل حقيقة في اللساني مجاز في النفساني . وقيل بالعكس ، وإليه أشار مصنفنا أبو حامد الغزالي في الإحياء بقوله : والكلام بالحقيقة كلام النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات . وقال إمام الحرمين وغيره : الكلام المطلق حقيقة هو ما في النفس شاهدا وغائبا وإطلاق الكلام على الحروف والأصوات مجاز وإليه مال تلميذه أبو حامد الغزالي كما ترى . قال
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 101 | السيد احمد بن زيني دحلان