وأمّا حدّ ما يجب من كلّ واحد منها فالّذى يتعيّن فرضه من علم التّوحيد مقدار ما تعرف به أصول الدّين ، وهو أنّ لك إلها عالما
شرح
والكراهة والتنزيه . وأما علم المباحات فهو العلم بالدنيا وأهلها وكيفية آداب المخالطة واكتساب المعيشة ، ولهذه الأقسام الثلاثة تعليم من طريق الشرع والسمع .
وأما مدارك الحواس والعلوم الضرورية فقد اشترك فيها الحيوان العاقل فلا يحتاج إلى اكتساب وإنما المراد هنا الكلام على الشرعية فقد عم العلم الظواهر كلها ، فلا يجوز لأحد أن يعمل عملا إلا يعلم بعلم الأمر الظاهر ، وهو موجود كله مضبوط في كتب الفقه كالعلم بالاستنجاء في الطهارة والصلاة وما يتعلق بها واختلاف أنواعها ، والزكاة وأنواعها ومصارفها ، وعلى من تجب ، والصوم والجهاد والحج وأنواعها ، وغير ذلك من الأحكام المأمور بها .
وأما علم النهى فالعلم بالمحرمات كلها على اختلاف أنواعها كالعلم بما يفسد الطهارة والصلاة والصوم والحج وغير ذلك ، وكالعلم بالأطعمة والأشربة المحرمة ، وأبواب الربا وغير ذلك وكالعلم بالمكروهات كلها ، وذلك كله موجود في كتب الفقه . وأما علم المباح وأمور الدنيا فكالعلم بالصيد وآداب الأكل والشرب والجماع والمخالطة ومعرفة الدنيا وأسبابها ، وهذا كله موجود في الكتب محررا ، فإذا أراد العبد أن لا يتحرك بحركة إلا بالعلم وجد ذلك في العلم لأن العلم واسع جدا ، مثال ذلك إذا أراد أن يسبح أو يمشى في السوق فيقول : هل للسباحة والمشي في السوق أصل في العلم أم لا ؟ فيجده منصوصا عليه ، وكذا المزح واللعب وغير ذلك ، لكن مع سعة العلم قد ترك العمل به وأوثر العمل بالجهل ، فعليك بالعلم في جميع الحركات والسكنات ، وهو العصمة في مواطن المهلكات ، وليكن سبيلك في العلوم اختيار أشرفها منزلة ، والميل إلى أنفعها ثمرة للدين والدنيا فتجعل نظرك في نيل ذلك الفرع من العلم مما لا بد لك منه ولا غنى لك عنه ، وتجعله مما ترضى أن ينسب إليك وتنسب إليه ، وتنزل غيرها من العلوم في نفسك على قدر مراتبها ومواقع أقدارها من دينك ومنفعة نفسك في دنياك وآخرتك ، الأوكد والأنفع فالأنفع ، وباللّه التوفيق ، كذا ذكره المرتضى الزبيدي ( وأما حد ما يجب من كل واحد منها ) أي من العلوم الثلاثة ( فالذي يتعين فرضه ) أي العلم الذي فرض عليك عينا ( من علم التوحيد مقدار ما تعرف به أصول الدين ) أي الإلهيات والنبوات والحشر والنشر كما نقله ابن المدابغى عن السعد ( وهو ) أن تعلم ( أن لك إلها ) أي معبودا بحق ( عالما ) بجميع الموجودات وعلمه محيط بجميع المعلومات على التفصيل فلا يعزب عن علمه الأزلي مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، صادقا في قوله« وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » *: ظاهره وباطنه ، دقيقه وجليله ، أوله وآخره ، وهذا من حيث الكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور مشاهدة وكشف أظهر منه ، ولا يكون مستفادا من المعلومات ، بل تكون المعلومات مستفادة منه .