فما العلم الّذى طلبه فرض لازم وما الحدّ الّذى لا بدّ للعبد من تحصيله في أمر العبادة ؟ .
فاعلم أنّ العلوم الّتى طلبها فرض في الجملة ثلاثة : علم التّوحيد ، وعلم السّرّ أعنى به ما يتعلّق بالقلب ومساعيه ، وعلم الشّريعة .
شرح
وابن عبد البر عن أنس بن مالك ، ورواه الطبراني في الصغير والخطيب عن الحسين بن علي ، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس وتمام في فوائده عن ابن عمر بن الخطاب ، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود ، ورواه الخطيب عن علي ، ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي سعيد ، وأسانيده كلها ضعيفة لكن تقوى بكثرة طرقه ، كذا في سراج السالكين ( فما العلم الذي طلبه فرض لازم وما الحد الذي لا بد للعبد من تحصيله ) أي العلم ( في أمر العبادة ؟ فاعلم ) أرشدك اللّه تعالى ( أن العلوم التي طلبها فرض في الجملة ) أي في جميع الخلق ( ثلاثة ) : أحدها ( علم التوحيد ) . والتوحيد مصدر وحد : إذا أوقع نسبة الواحد إلى موضوعه ، ففي شرح الكبرى للسنوسى نقلا عن ابن التلمساني : التوحيد اعتقاد الوحدة للّه تعالى والإقرار بها . وقال بعض المحققين : حقيقته إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات ، فليس كذاته ذات ولا كصفاته صفة . وقال ذو النون : حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة اللّه في الأشياء بلا علاج ، وصنعه بلا مزاج ، وعلة كل شئ صنعه ولا علة بصنعه . وقال بعضهم : من ترك أربعا كمل توحيده ، وهي وكيف ومتى وأين كم . فالأول سؤال عن الكيفية ، وجوابه « ليس كمثله شئ » . والثاني سؤال عن الزمان ، وجوابه ليس يتقيد بزمان . والثالث سؤال عن المكان وجوابه ليس يتقيد بمكان . والرابع سؤال عن العدد ، وجوابه وهو الواحد الأحد ، كذا قاله الزبيدي . ( و ) ثانيها ( علم السر : أعنى به ما يتعلق بالقلب ومساعيه ) أي أعماله كالإخلاص والتوكل وغيرهما . ( و ) ثالثها ( علم الشريعة ) وهذا الذي ذكره هو المختار من اختلاف طويل في تفسير هذا الحديث . وفهم معناه على أقوال شتى . وقال ابن عبد البر في كتابه [ بيان العلم ] للفظ العلم إطلاقات متباينة ، ويترتب على ذلك اختلاف الحد والحكم كلفظ العالم والعلماء ، ومن هنا اختلفوا في فهم هذا الحديث وتجاذب معناه اه .
ولنذكر تلك الأقوال بأحوالها بمجموعها على التفصيل الغالب فنقول :
اختلف العلماء في فهم معنى هذا الحديث : فمن متكلم يحمله على علم الكلام ، فيحتج لذلك بأنه العلم المتقدم رتبة لأنه علم التوحيد الذي هو المبنى . والقائلون بهذا اختلفوا في كيفية الطلب ، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار ، ومنهم من قال من طريق البحث والنظر ، ومنهم من قال من طريق التوفيق والأثر ، ومن فقيه يحمله على علم الفقه مطلقا . قال ابن عبد البر :
وذلك هو المتبادر من إطلاق العلم في علم الشرع ، وتندرج فيه ثلاثة أقوال : فمن قائل هو علم العبادات بشروطها وفرائضها وسننها . ومن قائل هو معرفة الحلال من الحرام ، واستدل عليه