وليس وراء هذين مقصد للعبد في عبادة اللّه سبحانه وتعالى ، فعليك بالعلم أرشدك اللّه يا سالك طريق الآخرة أوّل كلّ شئ ، واللّه ولىّ التّوفيق بفضله ورحمته . ولعلّك أن تقول قد ورد الخبر عن صاحب الشّرع صلوات اللّه وسلامه عليه أنّه قال : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم » .
شرح
يؤثرون الآخرة على الدنيا ، ويؤثرون اللّه تعالى على نفوسهم . وقد قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه في وصيته : وشاور في أمرك الذين يخشون اللّه تعالى . وقال الواسطي رحمه اللّه : أرحم الناس العلماء لخشيتهم من اللّه تعالى ، وإشفاقهم مما علمهم اللّه عز وجل ، ولذلك قال بعض العارفين :
العلم إن قارنته الخشية فلك منفعته في الدنيا والآخرة وإلا فعليك مضرته فيهما ، وهذا هو الفرق بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا من حيث إن علماء الآخرة موصوفون بالخشية والرهبة وعلماء الدنيا موسومون بالأمن والعزة ، وقد بين علماؤنا رضى اللّه عنهم حال الفريقين وأوضحوا أمرهم بالنعوت والعلامات ، وأطالوا في ذلك لما شاهدوا من انتشار الفساد في الأرض بسبب جهل الناس بالعلم النافع أي شئ ؟ فمن أراد الشفاء في ذلك واستيفاء الكلام عليه وما في ذلك من الأخبار والآثار ، فعليه بالنظر في كتاب العلم من كتاب [ إحياء علوم الدين ] لمصنفنا أبى حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى رحمة واسعة ( وليس وراء هذين ) أي فعل الطاعات واجتناب المعصية ( مقصد للعبد في عبادة اللّه سبحانه وتعالى ، فعليك ) أي الزم ( بالعلم ) أي بطلبه وتحصيله ( أرشدك اللّه ) جملة دعائية ( يا سالك طريق الآخرة أول كل شئ ) أي قبل كل عمل مطلوب شرعا ( واللّه ولى التوفيق ) والهداية ( بفضله ورحمته ، ولعلك أن تقول قد ورد الخبر عن ) سيدنا محمد ( صاحب الشرع صلوات اللّه وسلامه عليه أنه قال : طلب العلم فريضة ) بمعنى مفروضة خبر عن قوله طلب ، والتاء لتأكيد المبالغة لا للتأنيث كهى في علامة ، فلا يقال إن الخبز لم يطابق المبتدأ في التذكير ( على كل مسلم ) أي على كل فرد من أفراد المسلمين المكلفين كما يفيده التعبير بكل الدالة على الاستغراق ، ثم هذا لا يظهر معه التعميم السابق إلا إن جرينا علي طريقة الجمهور ، ووافقهم السبكي من أن فرض الكفاية واجب على جميع المكلفين كفرض العين ، وإلا لما أثم الجميع بتركه ، وإنما سقط بفعل البعض تخفيفا . وأما إن جرينا على طريقة ابن السبكي من أن فرض الكفاية واجب على البعض ، وأن الواجب على الكل إنما فرض العين ، فلا يظهر ما ذكر ، بل يخص العلم بما وجب عينا لا غير ، وقوله : كل مسلم ليس قيدا فمثله الأنثى والخنثى ، لكن لما كان الغالب أن الرجال هم المتصدون لطلب العلم خصهم ، ونظير ذلك في الأحاديث كثير كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » إلى غير ذلك من الأحاديث .
إذا علمت هذا علمت أنه لا حاجة إلى زيادة مسلمة كما صنعه بعضهم مع أن هذه الزيادة ليست في طريق من طرق الحديث كما قاله المحلى وغيره ، وهذا الحديث رواه ابن ماجة وابن عدي والبيهقي