يثمر خشية اللّه تعالى ومهابته ، قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ .
وذلك أنّ من لم يعرفه حقّ معرفته لم يهبه حقّ مهابته ولم يعظّمه حقّ تعظيمه وحرمته ، فبالعلم يعرفه ويعظّمه ويهابه ، فصار العلم يثمر الطّاعات كلّها ويحجز عن المعصية كلّها بتوفيق اللّه
شرح
ومنتهى طلبه وإرادته . قال الجنيد رضى اللّه عنه : العلم أن تعرف ربك ولا تعدو قدرك :
أي هو معرفة اللّه وحسن الأدب بين يديه ، وهذه هي العلوم التي ينبغي للانسان أن يستغرق فيها عمره الطويل ، ولا يقنع منها كثير ولا قليل . وقد قال الشاذلي رحمه اللّه : من لا يتغلغل في هذه العلوم يعنى علوم الصوفية مات مصرا على الكبائر وهو لا يعلم ، وخير العلوم ما يلزم وجود الخشية للّه تعالى كما أشار إليه المصنف بقوله ( يثمر ) أي أن العلم النافع يثمر ( خشية اللّه تعالى ومهابته ) أي مخافته ، فكل علم لا خشية معه فلا خير فيه ، بل لا يسمى صاحبه عالما على الحقيقة . قال الربيع ابن أنس رحمه اللّه : من لم يخش اللّه فليس بعالم ، ألا ترى أن داود عليه السّلام قال ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك ، والحكمة الايمان بك فما علم من لا يخشاك ، وما حكمة من لم يؤمن بك .
قال في لطائف المنن : فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه الخشية للّه تعالى ، وشاهد الخشية موافقة الأمر . ( قال اللّه تعالى :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) فبين أن الخشية تلازم العلم ، وفهم من هذا أن العلماء هم أهل الخشية ، وكذلك قوله تعالى« وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ » *. وقوله« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ». وقوله« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » .وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم » . وقوله عليه الصلاة والسّلام « العلماء ورثة الأنبياء » إنما المراد بالعلم في هذه المواطن العلم النافع القاهر للهوى ، القامع للنفس وذلك يتعين بالضرورة ، لأن كلام اللّه وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أجل من أن يحمل على غير هذا ، كذا قاله ابن عباد الرندى ( وذلك ) أي بيان إثمار العلم للخشية ( أن من لم يعرفه ) سبحانه وتعالى ( حق معرفته لم يهبه ) أي لم يخفه ( حق مهابته ولم يعظمه ) سبحانه ( حق تعظيمه وحرمته ، فبالعلم يعرفه ) تعالى ( ويعظمه ويهابه فصار العلم يثمر الطاعات كلها ويحجز ) أي يمنع ( عن المعصية كلها بتوفيق اللّه ) هذا هو العالم النافع . وأما علم تكون معه الرغبة في الدنيا ، والتملق لأربابها ، وصرف الهمة لاكتسابها . والجمع والادخار ، والمباهاة والاستكبار ، وطول الأمل ، ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون ورثة الأنبياء ، وهل ينقل الشئ الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث عنه ، ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء مثل الشمعة تضئ على غيرها وهي تحرق نفسها ، جعل اللّه العلم علمه من هذا وصفه حجة عليه وسببا في تكثير العقوبة لديه . وكان سهل بن عبد اللّه رحمه اللّه يقول . لا تقطعوا أمرا من أمور الدنيا والدين إلا بمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند اللّه تعالى . قيل يا أبا محمد : من العلماء ؟ قال الذين