بالعلم خاصّة من بين سائر النّاس ، فإنّ مدار أمر العبوديّة وملاك العبادة والخدمة للّه ربّ العالمين على العلم ، وهكذا يكون نظر أولى الأبصار وأهل التّأييد والتّوفيق ؛ فإذا تبيّن لك بهذه الجملة أنّ الطّاعة تحصل للعبد ولا تسلم له إلّا بالعلم فيلزم إذا تقديمه في شأن العبادة .
( وأمّا الخصلة الثّانية ) الّتى توجب تقديم العلم : فهي أنّ العلم النّافع
شرح
ابن المدابغى في حواشي الأربعين ( بالعلم ) متعلق بالعناية : أي بتحصيله قبل العمل ( خاصة ) أي خصوصا وانفرادا ( من بين سائر الناس ) أي عوامهم ( فان مدار أمر العبودية وملاك العبادة ) وسبق أول الكتاب معنى العبودية والعبادة مع الفرق بين أربابهما ، والملاك : ما به إحكام الشئ وتقويته ، وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها ( والخدمة ) أي الطاعة ( للّه رب العالمين ) أي مالكهم ومصلحهم ( على العلم ) خبر إن : أي معه ( وهكذا ) أي العناية ( يكون نظر أولى الأبصار ) والبصائر ( و ) نظر ( أهل التأييد والتوفيق ) من اللّه تعالى ( فإذا تبين لك بهذه الجملة ) التي ذكرناها ( أن الطاعة لا تحصل للعبد ) يقينا ( ولا تسلم له ) قطعا ( إلا بالعلم فيلزم إذا ) أي حين إذ كانت الطاعة لا تحصل ولا تسلم إلا بالعلم ( تقديمه ) أي العلم على غيره ( في شأن العبادة ) أي في أمرها .
( وأما الخصلة الثانية ) من الأمرين السابقين ( التي توجب تقديم العلم ) أي على العبادة ( فهي أن العلم النافع ) هو العلم باللّه تعالى وصفاته وأسمائه والعلم بكيفية التعبد له والتأدب بين يديه فهذا هو العلم الذي يبسط في الصدر شعاعه فيتسع ، وينشرح للاسلام ويكشف عن القلب قناعه فتزول عنه الشكوك والأوهام ، وفي حكمة داود عليه الصلاة والسّلام : العلم في الصدر كالمصباح في البيت : وقال محمد بن علي الترمذي رضى اللّه عنه : العلم النافع هو الذي قد تمكن في الصدور وتصور ؛ وذلك أن النور إذا أشرق في الصدور تصورت الأمور حسنها وسيئها ، ووقع بذلك ظل في الصدور فهو صورة الأمور ، فيأتي حسنها ويجتنب سيئها ، فذلك العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدور وهي علامات الهوى ؛ والعلم الذي قد تعلمه فذلك علم اللسان إنما هو شئ قد استودع الحفظ والشهوة غالبة عليه قد أحاطت به وأذهب بظلمتها ضوءه . وقال أبو محمد عبد العزيز المهدوى رضى اللّه عنه : والعلم النافع هو علم الوقت ، وصفاء القلب ، والزهد في الدنيا وما يقرب من الجنة وما يبعد عن النار والخوف من اللّه والرجاء فيه وآفات النفوس وطهارتها ، وهو النور المشار إليه أنه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء دون علم اللسان المنقول والمعقول . وقال مالك بن أنس رضى اللّه عنه : ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يقذفه اللّه تعالى في القلوب اه .
وإنما منفعة العلم أن يقرب العبد من ربه ، ويبعده عن رؤية نفسه ، وذلك غاية سعادته ،