تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨

[ المعرفة وأقسامها ، والمراد بها ، والعلم والمراد به ، وأن للأعمال الظاهرة علائق من المساعى الباطنة تصلحها وتفسدها ]

ثمّ مع ذلك كلّه فإنّ للأعمال الظّاهرة
شرح
سلم سلم ، أو يقول نعوذ باللّه أو سبحان اللّه أو نحو ذلك ، ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور ؛ فهذا وأمثاله من الغرور لا يحصى ، وإنما ذكرنا هذا القدر للتنبيه على أجناس الغرور ليقاس عليه ما لم أذكره . فان قلت : فبم ينجو العبد من الغرور ؟ فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور بالعقل والعلم والمعرفة . أما العقل فالمراد به الفطرة الغريزية التي فطر عليها الإنسان والنور الأصلي الذي به يدرك حقائق الأشياء ، فالفطنة والكيس فطرة والحمق والبلادة فطرة ، والبليد لا يقدر على التحفظ عن الغرور ، فصفاء العقل وذكاء الفهم لا بد منه في أصل الفطرة ، فهذا إن لم يفطر عليه الإنسان من الأصل فاكتسابه غير ممكن ، نعم إذا حصل أصله أمكن تقويته بالممارسة ، فأصل السعادات كلها العقل والكياسة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا إن الرجلين ليستوى عملهما وبرهما وصومهما وصلاتهما ولكنهما يتفاوتان في العقل كالذرة في جنب أحد » أي الجبل المشهور « وما قسم اللّه لخلقه حظا هو أفضل من العقل واليقين » . وأما المعرفة : فالمراد بها أن يعرف أربعة أمور : يعرف نفسه ، ويعرف ربه ، ويعرف الدنيا ، ويعرف الآخرة ، فيعرف نفسه بالعبودية والذل والافتقار ، ويعرف ربه بالسيادة والعظمة والاقتدار ، ويعرف أيضا بكونه غريبا في هذا العالم مسافرا منه إلى دار الآخرة وأجنبيا من هذه الشهوات البهيمية ، وإنما الموافق له طبعا هو معرفة اللّه تعالى والنظر إلى وجهه فقط ؛ ولا يتصور أن يعرف هذا ما لم يعرف نفسه ولم يعرف ربه فليستعن على هذا بما في كتاب المحبة وفي كتاب شرح عجائب القلب وكتاب التفكر والشكر من كتب إحياء علوم الدين ، إذ فيها إشارات إلى وصف النفس وإلى وصف جلال اللّه ، ويحصل به التنبيه على الجملة ، ويعرف الدنيا والآخرة بما في كتاب ذم الدنيا وكتاب ذكر الموت من ذلك ليتبين له أن لا نسبة للدنيا إلى الآخرة ، فإذا عرف نفسه وربه وعرف الدنيا والآخرة ثار من قلبه من معرفة اللّه تعالى حب اللّه ، وبمعرفة الآخرة شدة الرغبة فيها ، وبمعرفة الدنيا الرغبة عنها ، ويصير أهم أموره ما يوضله إلى اللّه تعالى وينفعه في الآخرة ؛ وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في الأمور كلها ، فإن كان أكل مثلا أو اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منها الاستعانة على سلوك طريق الآخرة وصحت نيته واندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى جانب الدنيا والجاه والمال والتطلع إليها فإن ذلك هو المفسد للنية . وأما العلم : فالمراد به العلم بمعرفة كيفية سلوك الطريق إلى اللّه والعلم بما يقربه من اللّه وبما يبعد عنه ، والعلم بآفات الطريق وعقباته وغوائله وجميع ذلك مما أكثره مسطور في هذا الكتاب واللّه سبحانه وتعالى أعلم . قال رحمه اللّه تعالى ( ثم مع ذلك ) أي الغرور والغفلة أي بعد بيانهما كما قرره بعضهم ( كله ، فإن ) أي فاعلم أن ( للأعمال الظاهرة ) كالصلاة والصوم
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 88 | السيد احمد بن زيني دحلان