تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
شرح
يتكلم بها عن الوحي السماوي وعن سر الأسرار المكتوبة ، ويستحقر في ذلك مطلقا لسانه في جميع العباد والعلماء الذين هم من خواص عباد اللّه فيقول في العباد إنهم متعبون ويقول في العلماء إنهم بالحديث والقال والقيل عن اللّه محجوبون ، ويدعى لنفسه أنه الواصل إلى الحق وأنه عنده من المقربين في حضرته ، وهو في الحقيقة عند اللّه من الفجار المنافقين ، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين المغرورين لم يحكم قط علما : أي لم يتقنه ، ولم يهذب قلبا بالمجاهدة ، ولم يرتب عملا يكون به واصلا ، ولم يراقب قلبا بالذكر سوى اتباع الهوى والشهوات وتلقف الهذيان وحفظه فما أشد غرور هذا . وفرقة أخرى اشتغلوا بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها وصاروا يتعمقون فيها فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خداعها علما وحرفة ، فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس واستنباط دقيق الكلام في آفاتها فيقولون هذا في النفس عيب والغفلة عن كونه عيبا عيب والالتفات إلى كونه عيبا عيب ويشغفون فيه بكلمات سلسة تضيع الأوقات في تلفيقها ، ومن جعل طول عمره في التفتيش عن العيوب وتحرير علم علاجها كان كمن اشتغل بالتفتيش عن عوائق الحج وآفاته ولم يسلك طريق الحج فذلك لا يغنيه ولا يعد من السالكين . [ الصنف الرابع ] أرباب الأموال ، والمغترون منهم فرق : ففرقة منهم ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلبون به المحافل الجامعة ، ومن الفقراء من عادته الشكر والإفشاء للمعروف ويكرهون التصدق في السر ويرون إخفاء الفقير لما يأخذه منهم جناية عليهم وكفرانا ، وربما يحرصون على إنفاق الماء في الحج فيحجون مرة بعد أخرى ، وربما تركوا جيرانهم جياعا ، ولذلك قال ابن مسعود رضى اللّه عنه : في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب يهوّن عليهم السفر ، أي لما يتعودونه ويبسط لهم في الرزق أو يكثر دخلهم بالتجارات وغيرها ويرجعون محرومين عن الأجر مسلوبين عن الثواب يهوى بأحدهم بعيره بين القفار والرمال وجاره مأسور أي مربوط إلى جنبه لا يواسيه ولا يسأل عنه . وفرقة أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم البخل ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام النهار وقيام الليل وختم القرآن وهم مغرورون لأن البخل المهلك قد استولى على بواطنهم فهو يحتاج إلى قمعه باخراج المال فقد اشتغل بطلب فضائل هو مستغن عنها ، فغرور هؤلاء في ترك الأهم الأنفع . وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء اغتروا بحضور مجالس الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة لا يفارقونها ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ أجرا من اللّه تعالى وهم مغرورون ، لأن فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا في الخير فإن لم يهيج الرغبة فيه فلا خير فيه ، والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل . فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها ، وما يراد لغيره فإذا قصر عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له ، وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء ، وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكى ، وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول يا رب