تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
شرح
أشبه بسيرة الصحابة ، إذ توضأ عمر رضى اللّه عنه بماء في جرة نصرانية مع ظهور احتمال النجاسة وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة من الوقوع في الحرام كما هو معروف من سيرته . وفرقة أخرى غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد نية صحيحة ، بل يشوش عليه حتى تفوته الجماعة ويخرج الصلاة عن الوقت وإن تم تكبيره فيكون في قلبه بعد تردد في صحة نيته ، وقد يوسوسون في التكبير حتى يغيرون صيغة التكبير لشدة الاحتياط فيه يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون في جميع الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم إذا أتعبوا أنفسهم في تصحيح النية في أول الصلاة وتميزوا عن العامة بهذا الجهد والاحتياط فهم على خير عند ربهم . وفرقة أخرى تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها فلا يزال يحتاج في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح مخارج الحروف في جميع صلاته لا يهمه غيره ولا يتفكر فيما سواه ذاهلا عن معنى القرآن الذي هو المقصود بالذات وعن الاتعاظ به وعن صرف الفهم إلى أسراره ، وهذا من أقبح أنواع الغرور فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام والمحاورة ، ولهذا لم ينقل عن أحد من السلف هذا التشدد . وفرقة أخرى جاوروا بمكة أو المدينة واغتروا بذلك ولم يراقبوا قلوبهم ولم يطهروا ظاهرهم وباطنهم فقلوبهم معلقة ببلادهم لا تنفك عن خيالهم مع تمنيهم أن يكونوا بها فيعدّون لذلك الأيام عدا ملتفتة إلى قول من يعرفه ان فلانا مجاور بمكة أو بالمدينة ، وتراه يتحدث مع الناس ويقول : قد جاورت بمكة أو بالمدينة كذا وكذا سنة وحضرت كذا وكذا موسما ولقيت بها فلانا وفلانا وإذا سمع أن ذلك قبيح ترك صريح التحدث وأحب في باطنه أن يعرفه الناس بذلك وهو غرور ، ثم إنه يجاور بهما ويمد عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس من الصدقات التي تفرق هناك ، فإذا جمع من ذلك شيئا شح عليه وأمسكه بخلا ولم تسمح نفسه بلقمة واحدة يتصدق بها على فقراء أهله فيظهر فيه الرباء والبخل والطمع وجملة من المهلكات كان هو عنها بمعزل لو ترك المجاورة ، ولكن حب المحمدة والثناء وأن يقال إنه من المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل والخبائث فهو أيضا مغرور ، وما من عمل من الأعمال وعبادة من العبادات إلا وفيها آفات ظاهرة وباطنة ، فمن لم يعرف مداخل آفاتها ، واعتمد عليها فهو مغرور . [ الصنف الثالث ] المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم . والمغترون منهم فرق كثيرة ، ففرقة منهم وهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه اللّه ادعوا علم المعرفة ومشاهدة الحق من عين القلب ومجاوزة المقامات والأحوال والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ولا يعرف واحد منهم هذه الأمور إلا بالأسامى والألفاظ لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ، ويظن أن ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين والمحدثين وأصناف العلماء بعين الازدراء والاحتقار فضلا عن العوام ، فإنهم عنده كالأنعام ، حتى إن الفلاح يترك فلاحته ، أي حراثة الأرض والحائك يترك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ويتلقف منهم الكلمات المزيفة فهو يرددها كأنه