سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 85
[ المغترون وأصنافهم ] الغرور الجهل بآفات الأعمال ومهلكاتها ، ويكفى في ذم الغرور قوله تعالى « فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » * وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » . والمغترون على أربعة أصناف كل صنف منها فروق كثيرة . وقد أشبع القول فيها مصنفنا أبو حامد الغزالي في الإحياء ، وأذكر هنا قدرا يسيرا منه ملخصا للاختصار . [ الصنف الأول ] أهل العلم والمغترون منهم فرق : ففرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات واغتروا بعلمهم وظنوا أنهم عند اللّه بمكان ومنزلة وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب اللّه مثلهم بل يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على اللّه وهم مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان : علم معاملة ، وعلم مكاشفة وهو العلم باللّه وبصفاته المسمى بالعادة علم المعرفة . فأما العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها فهي علوم لا تراد إلا للعمل ، ولولا الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة ، وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له دون العمل . والفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها ، وأحكم علم المعاصي ولم يجتنبها ، وأحكم علم الأخلاق المذمومة وما زكى نفسه منها ، وأحكم علم الأخلاق المحمودة ولم يتصف بها فهو مغرور إذ قال تعالى « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها » ولم يقل أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علم ذلك وعلمه الناس ، وعند هذا يقول له الشيطان لا يغرنّ هذا فإنما مطلبك القرب من اللّه وثوابه والعلم يجلب الثواب ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضل العلم ، فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك مراده وهواه فاطمأن إليه وأهمل العمل ، وإن كان كيسا فطنا حاذقا فيقول للشيطان أتذكرنى فضائل العلم وتنسينى ما ورد في العالم الفاجر الذي لا يعمل بعلمه ، كقوله تعالى : « فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ » وكقوله تعالى « مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً » فأي خزى أعظم من التمثيل بالكلب والحمار : أي وهما من أخس خلق اللّه تعالى ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من اللّه إلا بعدا » إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في الصفات المذمومة ؛ فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا بواطنهم ونسوا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب والقلب هو الأصل إذ لا ينجو إلا من أتى اللّه بقلب سليم . [ الصنف الثاني ] أرباب العبادة والعمل ، والمغرورون منهم فرق كثيرة : فمنهم فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالفضائل والنوافل وربما تعمقوا في الفضائل حتى خرجوا إلى العدوان والسرف كالذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة ، وإذا آل الأمر إلى أكل الحلال قدّر الاحتمالات القريبة بعيدة وربما أكل الحرام المحض ، ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان