[ بيان أن الأمل معصية محضة والكلام على النية والمحبة والأمنية والإرادة ]
من طعام أو شراب أو نوم تبتغى به قربة إلى اللّه عزّ وجلّ فتكون في لا شئ ، وأشدّ من ذلك كلّه أنّك تكون في أسر الأمل والأمل معصية محضة فتظنّه نيّة خير بجهلك بالفرق بينهما وتقاربهما في بعض الوجوه ،
شرح
على فعله ولا يعاقب على تركه ( من طعام أو شراب أو نوم ) حال كونك ( تبتغى ) أي تطلب ( به ) أي بترك المباح ( قربة إلى اللّه عز وجل فتكون في لا شئ ) بالجر لأن الجار إذا دخل علي لا خفض النكرة نحو : جئت بلا زاد وغضبت من لا شئ كما قاله الأشمونى ، ولا ملغاة معترضة بين الجار ومجروره ، وعن الكوفيين أن لا حينئذ اسم بمعنى غير مجرور بالحرف وما بعده مجرور بالإضافة لا إليه كما أفاده الصبان ، وشذ جئت بلا شئ بالفتح ؛ والمعنى لا نصيب لك لتضييعك الواجبات ( وأشد من ذلك ) أي المذكور من تضييع الواجبات وترك المباحات ( كله أنك تكون في أسر الأمل ) أي حبسه ( والأمل ) أي إرادة الحياة والبقاء لجمع الدنيا والتمتع بها ( معصية محضة ) أي خالصة ( فتظنه نية خير لجهلك بالفرق بينهما ) أي بين الأمل ونية الخير ( وتقاربهما في بعض الوجوه ) قال الأكثرون : والأمل إرادة الحياة للوقت المتراخى بالحكم ، والنية المحمودة هي إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال بالحكم مع إرادة إتمامه بالتفويض والاستثناء كما يأتي في باب الأمل . قال السيد مرتضى الزبيدي : وقد تلتبس النية بالأمنية فتحفى والهمة والوسوسة فتشتبه .
والنية ما كان يراد به وجه اللّه ويطلب به ما عنده ، والأمنية ما تعلق بالخلق طلب منه عاجل الحظ من الملك الفاني ؛ وقد تلتبس الإرادة بالمحبة والحاجة بالشهوة . فالإرادة أن يريد وقوع الأمر وقد لا يجب كونه أو يريه أيضا وجود ضده . والمحبة ما قهر العقل وغلب الوجد وحل في مجامع القلب وكره وجود غيره ولم يرد فقده . والحاجة ما اضطررت إليه ولم يكن منه بدّ ولا يستغنى عنه بغيره والشهوة مزيدة لذة واستدعاء فضل فاقة واجتلاب تقدم عادة ، وقد يختلط الذكر بالقلب بالفكر في معاني القرب . فالذكر ما أظهر المنسى وكشف الغى وأذكر الشئ ؛ والفكر ما صور الأمر وأظهر الخبر ، وقد يلتبس الرجاء بالمحبة والهوى بالنية ، فالرجاء : ما طمعت فيه بسبب ما أو لسبب ما ، والمحبة ما تطعمت ذوقه ووجدته بغير سبب تستخرجه ، وقد يلتبس ذل القلب بضعفه وقوته للطمع في الخلق بذل النفس لمشاهدة غيرة الحق سبحانه ، وقد يتداخل ذل الطمع لدناءة الهمة والنفس بذل العقل للاعتراف بالحق وخضوع العلم له ، وقد يلتبس ذل النفس لغلبة الهوى وقهره للعقل بذل القلب لسرعة الانقياد للعالم المحق ، وقد تختلط عزة القلب بمقلبه بدوام النظر إليه وعزة العقل بعلمه الذي كثر عنده ، وقد تلتبس عزة النفس بوضفها المتسلط بعزة الإيمان المعزز بغيبته اليقين ، فهذه فروق ظاهرة للعارفين وخروق متسعة توّهت العاقلين . وقد تلتبس العبادة بالعادة مثل أن تكون للعبد نية في علم أو عمل أو صدقة أو نفقة الشهر أو السنة ثم تعزب نيته فيبقى على عادته يرث حال الذي قد عرف به لا يحب أن يخرج من عرف الناس له فيستعمل لاستقامة الحال على