تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
شرح
الأمور ، فمهما بطل عنده ما كان اعتقده وقد كان قاطعا به وجازما متيقنا له عند نفسه لم يظنّ بنفسه أنه أخطأ في هذا الاعتقاد لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد وعقله الناقص ، بل ظن أن كل ما اعتقده لا أصل له إن لم يكن عنده فرق بين إيمانه باللّه ورسوله وسائر اعتقاداته الصحيحة وبين اعتقاده الفاسد ، فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته وسببا لشكه فيها فان اتفق رهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن يتشبث ويعود إلى أصل الإيمان فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك والعياذ باللّه منه ، فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى« وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ »وبقوله تعالى« وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »وبقوله تعالى« قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »فكم من مغبوط في أحواله تقلبت عليه الحال ومشى بمقارفة قبيح الأعمال ، فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة ، وكل من اعتقد في اللّه تعالى وفي صفاته وأفعاله شيئا على خلاف ما هو به ، إما تقليدا لآبائه ومشايخه وإما نظرا بالرأي والمعقول فهو في هذا الخطر ، والزهد والصلاح لا يكفى لدفع هذا الخطر ، بل لا ينجى منه إلا الاعتقاد الحق ، والبله الغافلون بمعزل عن هذا الخطر ، أعنى الذين آمنوا باللّه ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا قويا كالأعراب والسوادية وسائر العوام الذين لم يخوضوا في البحث والنظر ، ولم يشرعوا في الكلام استقلالا ، ولا أصغوا إلى أصناف المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أكثر أهل الجنة البله » رواه البيهقي في شعب الايمان ، ولذلك منع السلف من البحث والنظر والخوض في الكلام والتفتيش عن هذه الأمور ، وأمروا الخلق على أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل اللّه عز وجل جميعا وبكل ما جاء من الظواهر في الكتاب والسنة مع اعتقاد نفى التشبيه وإثبات التنزيه والتقديس ، ومنعوهم في الخوض عن التأويل وفتح هذا الباب رأسا ، لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم ، وعقباته كئودة : أي متعبة ، ومسالكه وعرة : أي صعبة ، والعقول عن درك جلال اللّه تعالى وعظمته قاصرة ، وهداية اللّه بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حب الدنيا محجوبة فلا تهدى إليها . وأما السبب الثاني في سوء الخاتمة فهو ضعف الإيمان في الأصل ثم استيلاء حب الدنيا على القلب وغلبته عليه ، ومهما ضعف الإيمان ضعف حب اللّه تعالى وقوى حب الدنيا لأنهما ضدان ، فيصير بحيث لا يبقى في القلب موضع لحب اللّه تعالى إلا من حيث حديث نفس لا يظهر له أثر في مخالفة النفس والعدول عن طريق الشيطان ، فيورث ذلك الانهماك في اتباع الشهوات حتى يظلم القلب ويقسو ويسود وتتراكم ظلمة الذنوب على القلب ، ولا يزال يطفئ ما فيه عن نور الإيمان على ضعفه حتى يصير طبعا ورينا ، وإليه يشير قوله تعالى« فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ». وقوله تعالى« كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ »فإذا جاءت سكرات الموت وشدته ازداد ذلك الحب ، أعنى حب اللّه تعالى ضعفا لما يبدو من استشعار فراق الدنيا ، وهي المحبوب الغالب على القلب ، فيتألم القلب باستشعار فراق الدنيا ويرى ذلك من اللّه ، فيختلج ضميره : أي يتحرك بإنكار ما قدر عليه من الموت
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 79 | السيد احمد بن زيني دحلان