الحقّ فتكون عبادتك هباءا منثورا . وقد شرحنا ما في ذلك من الخطر العظيم في بيان معنى سوء الخاتمة من كتاب الخوف من جملة كتب إحياء علوم الدّين .
شرح
الحق فتكون عبادتك هباء منثورا ) أي مثله في عدم نفعها ( وقد شرحنا ما في ذلك ) أي في الاعتقاد ( من الخطر ) أي الخوف ( العظيم في بيان معنى سوء الخاتمة من كتاب الخوف من جملة كتب إحياء علوم الدين ) وعبارته مع شرحها مختصرا ، فإن قلت : إن أكثر هؤلاء أي الصالحين يرجع خوفهم إلى سوء الخاتمة . فاعلم هداك اللّه تعالى أن سوء الخاتمة على رتبتين : إحداهما أعظم من الأخرى ، فأما الرتبة العظيمة الهائلة فأن يغلب علي القلب عند سكرات الموت وشدائده وظهور أهواله ، إما الشك وإما الجحود فتقبض الروح على حال غلبة الجحود أو الشك ، فيكون ما غلب على القلب من عقدة الجحود حجابا بينه وبين اللّه تعالى أبدا ، وذلك يقتضى البعد الدائم والعذاب المخلد الملازم . والرتبة الثانية : وهي دونها ؛ أي دون الأولى : أن يغلب على قلبه عند الموت حب أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها فيتمثل ذلك في قلبه ويستغرقه أي يغمره حتى لا يبقى في تلك الحالة متسع لغيره فيتفق قبض روحه في تلك الحالة ، فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها ، ومهما انصرف الوجه عن اللّه حصل الحجاب ، ومهما حصل الحجاب عن اللّه تعالى نزل العذاب لا محالة ، إذ نار اللّه الموقدة المشار إليها في الآية لا تأخذ إلا المحجوبين عنه . فأما المؤمن السليم قلبه عن حب الدنيا المصروف إلى اللّه تعالى المشار إليه في قوله تعالى -يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- أي سليم عن حب الدنيا تقول له النار : جز يا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبى ، روى ذلك من حديث يعلى بن منية ، فمهما اتفق قبض الروح في حالة غلبة حب الدنيا فإن الأمر مخطر ، لأن المرء يموت على ما عاش عليه كما أنه يبعث علي ما مات عليه . فان قلت : فما السبب الذي يفضى إلى سوء الخاتمة ؟
فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها علي التفصيل ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها إما الختم على الشك والحجوب فينحصر سببه في شيئين : أحدهما يتصور مع تمام الورع والزهد وتمام الصلاح في الأعمال كالمبتدع الزاهد دخلت عليه المشاهدة من قبل المواجهة بالإنصاف والعدل بمعيار العقل وإتلاف الحد من قبل قوة النظر في الأكساب فعاقبته مخطرة جدا وإن كانت أعماله صالحة ؛ ويدلك علي ذلك أن أكثر هذه المخاوف كانت في البصريين وأهل عبادان والعسكر ، وكان مذهبهم القدر فوقعوا في غاية الخطر ، ولست أعنى مذهبا فأقول إنه بدعة ، فإن بيان ذلك يطول القول فيه ، بل أعنى بالبدعة أن يعتقد الرجل في ذات اللّه وصفاته وأفعاله خلاف ما هو الحق فيعتقد على خلاف ما هو عليه ، إما برأيه ومعقوله ونظره الذي به يجادل الخصم ؛ وعليه يعول وبه يغتر وإما أخذا بالتقليد فمن هذا حاله ، فإذا قرب الموت وظهر له ناصية ملك الموت واضطرب القلب بما فيه فربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا فيتمنى أنه لم يعط عقلا إذ حال الموت حال كشف الغطاء ومبادى سكراته منه ، فقد ينكشف به بعض