ولمّا استقرّ أنّه لا بدّ للعبد منهما جميعا ، فالعلم أولى بالتّقديم لا محالة ، لأنّه الأصل والدّليل ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « العلم إمام العمل والعمل تابعه » وإنّما صار العلم أصلا متبوعا يلزمك تقديمه على العبادة لأمرين : أحدهما لتحصل لك العبادة وتسلم فإنّك أوّلا يجب عليك أن تعرف المعبود ثمّ تعبده وكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل في نعته ، فربّما تعتقد فيه وفي صفاته شيئا والعياذ باللّه مما يخالف
شرح
بأحوال عبادته ، وإلا كانت أعماله مردودة ، وللّه در القائلوكل من بغير علم يعمل * أعماله مردودة لا تقبللأن الجاهل لا يعلم ما يضره في عبادته ، بخلاف العالم ولو فاسقا فإنه يعلم ذلك لما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « العالم حبيب اللّه ولو كان فاسقا ، والجاهل عدو اللّه ولو كان عابدا » .
وحكي أن بعض الناس اختلف في شرف العالم الفاسق وشرف الجاهل العابد فخرج أحد منهم وذهب إلى صومعة العابد الجاهل فقال يا عبدي : قبلت دعوتك وغفرت لك ذنبك فاترك العبادة واسترح ، فقال العابد إلهي إني أرجو منك هذا وإني أحمدك وأشكرك وأعبدك من زمان كذا فصار مخطئا وكافرا بجهله ، ثم ذهب أحد منهم إلى العالم الفاسق فإذا هو يشرب الخمر فقال : يا عبدي اتق منى وأنا ربك أستر ذنبك وأنت لا تستحى منى فإني أريد أن أهلكك ، فسل العالم الفاسق سيفه وخرج من مكانه ، فقال يا ملعون أنت لا تعلم ربك ، فإني أعلمك ربك الآن ففر ذلك القائل ، فعلم بذلك شرف العلم وأهله ، كذا في شرح البداية ( ولما استقر أنه ) أي الحال والشأن ( لا بد للعبد منهما ) أي من العلم والعبادة ( جميعا فالعلم أولى ) أي أفضل وأحق ( بالتقديم ) من غيره ( لا محالة لأنه الأصل ، و ) لأنه ( الدليل ) أي الموصل للهداية والمثمر لخشية اللّه عز وجل ( ولذلك ) أي لكون العلم أصلا ودليلا ( قال صلّى اللّه عليه وسلّم : العلم إمام العمل والعمل تابعه ) تمامه « يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء » . هكذا رواه أبو نعيم في الحلية وأبو طالب المكي في القوت والخطيب وابن القيم وغيرهم موقوفا ، ورواه أبو نعيم في المعجم وابن عبد البر كما تقدم مرفوعا .
وقال في آخره : وهو حديث حسن ولكن ليس له إسناد قوى ( وإنما صار العلم أصلا متبوعا يلزمك تقديمه على العبادة لأمرين : أحدهما لتحصل لك العبادة وتسلم ) لك من غير آفة ( فإنك أولا يجب عليك أن تعرف المعبود ) بأسمائه وصفاته ( ثم تعبده ، وكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته و ) أن تعرف ( ما يجب له ) من صفاته وما يجوز ( وما يستحيل في نعته ) أي وصفه ( فربما تعتقد فيه ) أي المعبود ( وفي صفاته شيئا ) منكرا عند ذوى البصائر ( والعياذ باللّه مما يخالف ) الاعتقاد