[ ما ورد عن الحسن البصري في طلب العلم وبيان أن العبد لا بد له من العلم والعبادة وأن العلم أولى بالتقديم وبيان الأسباب التي تفضى إلى سوء الخاتمة عياذا باللّه تعالى ]
فبان لك أنّ العلم أشرف جوهرا من العبادة ، ولكن لا بدّ من العبادة مع العلم وإلّا كان علمه هباءا منثورا . فإنّ العلم بمنزلة الشّجرة والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها ، فالشّرف للشّجرة إذ هي الأصل ، لكن الانتفاع بما يحصل بثمرتها فإذا لا بدّ للعبد أن يكون له من كلا الأمرين حظّ ونصيب ولهذا قال الحسن البصرىّ رحمه اللّه : اطلبوا هذا العلم طلبا لا يضرّ بالعبادة ، واطلبوا هذه العبادة طلبا لا يضرّ بالعلم .
شرح
( فبان ) أي ظهر ( لك أن العلم أشرف جوهرا ) على الإطلاق من غير إضافة ونسبة إلى شئ آخر ، بل أصل كل الفضائل الداخلية لأنه وصف لكمال اللّه تعالى ، وبه شرف الملائكة والأنبياء وغيرهم ( من العبادة ولكن لا بد للعبد من العبادة مع العلم ، وإلا كان علمه هباء منثورا ) أي غبارا لطيفا متفرقا فلا استقرار له ولا اجتماع ، بل تضيعه الرياح : يعنى مثله في عدم النفع به لما روى عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من عالم لا يعمل بعلمه إلا نزع اللّه روحه علي غير الشهادة ، وناداه مناد من السماء : يا فاجر خسرت الدنيا والآخرة » . وعن عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « إن العالم إذا لم يعمل بعلمه لعنه العلم من جوفه ، ويلعنه كل شئ طلعت عليه الشمس ، وتكتب الحفظة كل يوم ختما على صحيفته : هذا عبد آيس من رحمة اللّه ، يا عبد اللّه يا مضيع حقوق سيده ، يا من لا يعمل بعلمه عليك لعنة اللّه ، فإذا مات نزع اللّه روحه على غير الشهادة ويحرم الموت على الإيمان » كذا في شرح اللباب ( فإن العلم ) أصل ( بمنزلة الشجرة ، والعبادة ) ناشئة من ذلك الأصل ، فهي ( بمنزلة ثمرة من ثمراتها ) أي شجرة العلم ( فالشرف للشجرة إذ هي الأصل لكن الانتفاع ) التام ( إنما يحصل بثمراتها ) أي الشجرة وهي العبادة ( فإذا ) أي إذا كان الانتفاع لا يحصل إلا بذلك ( لا بد ) أي وجب ( للعبد من أن يكون له من كلا الأمرين ) أي العلم والعبادة ( حظ ونصيب ) عطف تفسير كما يعلم من قول المصباح : والحظ : النصيب ، والجمع : حظوظ ، مثل فلس وفلوس ( ولهذا ) أي المذكور من قوله : لا بد للعبد أن يكون له من الأمرين حظ . ( قال الحسن ) بن يسار ( البصري رحمه اللّه ) هو مولى زيد بن ثابت ، وقيل مولى حمل بن قطبة ، وأبوه يسار من سبى ميسان أعتقته بنت النضر ولد الحسن زمن عمر وسمع عثمان وشهد الدار ابن إحدى عشرة سنة ، وروى عن عمران بن حصين وأبى موسى وابن عباس وجندب ، وعنه ابن عون ويونس كان كبير الشأن رفيع الذكر رأسا في العلم ، مات في رجب سنة 110 كذا قاله العلامة السيد مرتضى في الإتحاف ( اطلبوا ) أيها المسلمون ( هذا العلم طلبا لا يضر بالعبادة ) بأن كان الطالب عاملا بمطلوبه الذي هو العلم وإلا دخل في الوعيد الشديد المتقدم ذكره ( واطلبوا هذه العبادة طلبا لا يضر بالعلم ) بأن
كان العابد عالما