شرح
رضى اللّه عنه « كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ، ويفرح به إذا نسب إليه ، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه » كما قيل : فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى . وقال أبو مسلم الخولاني : مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا برزت للناس اهتدوا بها ، وإذا خفيت عليهم تحيروا . وعن معاذ رضى اللّه عنه « تعلم العلم فإن تعلمه لك حسنة ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة » . وقال على رضى اللّه عنه : العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق . وقال الشافعي رضى اللّه عنه : من لا يحب العلم لا خير فيه ، فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة فإنه حياة القلوب ومصباح البصائر . وقال :
طلب العلم أفضل من صلاة النافلة . وقال : ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم ، يدل لذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قالوا : يا رسول اللّه وما رياض الجنة ؟
قال : حلق الذكر » . قال عطاء : مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام كيف تشترى وتبيع وتصلى وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه ذلك . وقال « من أراد الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم » أي فإنه يحتاج إليه في كل منهما . وعن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال « مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة » يدل لذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « يسير الفقه خير من كثير العبادة » والأخبار والآثار في ذا الباب كثيرة لا تحصى .
ثم اعلم أن ما ذكر في فضل العلم إنما هو فيمن طلبه مريدا به وجه اللّه تعالى ، فمن أراده لغرض دنيوي كمال أو رياسة أو منصب أو جاه أو شهرة أو استمالة الناس إليه أو نحو ذلك فهو مذموم .
قال تعالى« مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ». وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « من تعلم علما ينتفع به في الآخرة يريد به غرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة » : أي لم يجد ريحها . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « شرار الناس شرار العلماء » .
وقال على رضى اللّه عنه : يا حملة العلم اعملوا به ، فإنما العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم يجلسون حلقا يباهى بعضهم بعضا حتى أن الرجل يغضب على جليسه أن يجالس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه تعالى . وقال سفيان : ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد من اللّه بعدا . وقال حاتم الأصم : ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه ، وهلك .
وبالجملة فالأحاديث في ذم علماء السوء وتوبيخ من لم يعمل بعلمه ومن خالف قوله عمله كثيرة جدا وفي هذا القدر كفاية ، فنسأل اللّه تعالى أن يوفقنا بفضله ، وأن يحفظنا من الشيطان وجنده