فإذا علمت ذلك فاعلم أنّ العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما ، ولذلك قال النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم « إنّ فضل العالم على العابد كفضلى على أدنى رجل من أمّتى » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم « نظرة إلى العالم أحبّ إلىّ من عبادة سنة صيامها وقيامها » .
شرح
ما فيها : أي ما شغل عن اللّه تعالى وأبعد عنه إلا ما قرب إليه فإنه محبوب محمود كما أشار إليه قوله : إلا ذكر اللّه وما والاه : أي ما أحبه اللّه من الدنيا وهو العمل الصالح ، والموالاة : المحبة بين اثنين وقد تكون واحدا وهو المراد هنا ، وما كان طريقا إليه من العلم والتعلم فهو المستثنى من اللعنة ، واللعنة واقعة على ما عداه ، إذ هو بعيد عن اللّه وعن محابه وعن دينه ، فهو متعلق العقاب ، واللّه سبحانه إنما يحب من عباده ذكره وعبادته ومعرفته ومحبته ولوازم ذلك ، وما أفضى إليه ، وما عداه فهو مبغوض له مذموم عنده ، كذا أفاده بعض المحققين ( فإذا علمت ذلك ) أي ما تقرر أن العلم هو قطب العبادة ومدار أمر العبودية ( فاعلم أن العلم أشرف الجوهرين ) أي من العبادة ( وأفضلهما ) لأنها ثمرته كما سبق ( ولذلك ) أي أشرفية العلم على العبادة . ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن فضل العالم ) أي العامل بعلمه ( على العابد كفضلى على أدنى رجل من أمتي ) . المراد بالفضل : كثرة الثواب الشامل لما يعطيه اللّه للعبد في الآخرة من درجات الجنة ولذاتها ومآكلها ومشاربها ومناكحها وما يعطيه اللّه تعالى للعبد من مقامات القرب ولذة النظر إليه وسماع كلامه كذا قاله العزيزي ، وهذا الحديث رواه الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه . وفي رواية للترمذي عن أبي أمامة « فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم » أي نسبة شرف العالم على شرف العابد كنسبة شرف النبي إلى أدنى شرف الصحابة لأن المخاطبين بقوله : أدناكم : الصحب . قال الغزالي : فانظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة ، وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ولولاه لم تكن عبادة ، كذا أفاده في شرح اللباب . وقال الطيبي : ولا تظنن أن العالم المفضل عار عن العمل ، ولا العابد عن العلم ، بل إن علم ذلك غالب على عمله ، وعمل هذا غالب على علمه ، ولذلك جعل العلماء ورثة الأنبياء الذين فازوا بالحسنيين : العلم والعمل ، وحازوا الفضيلتين : الكمال والتكميل ، وإذا عرفت ذلك ظهر لك سر قول الغزالي فيما قبل اه .
ثم إن المراد في هذه الأخبار بالعالم من صرف نفسه للتعليم والإرشاد والتصنيف ، وبالعابد من انقطع للعبادة تاركا ذلك وإن كان عالما كما قاله العلامة السيد مرتضى في شرح الإحياء . وقال الذهبي : إنما كان العلم أفضل ، لأن العالم إذا لم يكن عابدا فعلمه وبال عليه ، وأما العابد بغير فقه فمنع نقصه هو أفضل بكثير من فقيه بلا تعبد كفقيه همته في الشغل بالرياسة فليتأمل . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : نظرة ) أي واحدة بنظر المحبة ( إلى العالم ) أي إلى وجهه كما في رواية ( أحب إلى من عبادة سنة صيامها وقيامها ) . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « فقيه متورع أشد على الشيطان من ألف عابد مجتهد جاهل ورع » . وفي رواية للترمذي وابن ماجة عن ابن عباس « فقيه