تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
وكفى بهذه الآية دليلا على صرف العبادة ولزوم الإقبال عليها فأعظم بأمرين هما المقصود من خلق الدّارين فحقّ للعبد أن لا يشتغل إلّا بهما ولا يتعب إلّا لهما ، ولا ينظر إلّا فيهما . واعلم أنّ ما سواهما من الأمور باطل لا خير فيه ، ولغو لا حاصل له
شرح
ليعرفون أو يكونوا عبيدا لي خاصة ولا يكون العبد عبدا ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية ولا بد أن يعرف نفسه وربه كما يرشد إليه الخبر « من عرف نفسه عرف ربه » فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسّلام إلى الخلق ليرشدوهم إلى ذلك ، وكذا بإرسال الكتب من السماء ، وتقديم خلق الجن في الذكر مر بيانه في أول الكتاب ( وكفى بهذه الآية دليلا ) يدل ( على شرف العبادة ) لرب العالمين ( ولزوم الإقبال ) والمواظبة ( عليها ) أي وتصريحا بأنهم خلقوا للعبادة ، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والاعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة ، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد ، ومركب عبور لا منزل حبور ، ومشرع انفصام لا موطن دوام ، فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد ، وأعقل الناس فيها هم الزهاد . قال اللّه تعالى« إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ولقد أحسن القائل حيث قال :إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحىّ وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفناكذا قاله في رياض الصالحين ( فأعظم بأمرين ) أي العلم والعبادة : وقوله فأعظم بوزن أفعل بكسر العين التعجب على صورة الأمر ، والباء زائدة لتحسين اللفظ ، لأن مجىء المرفوع بعد صورة الأمر قبيح كما قرره بعضهم ( هما المقصود من الدارين ) أي الدنيا والآخرة ، فإذا كان حالهما : أي العلم والعبادة ما وصفته ، وحالنا وما خلقنا له ما قدمته ( فحق للعبد ) أي وجب عليه ( أن لا يشتغل إلا بهما ولا يتعب ) نفسه ( إلا لهما ) أي لتحصيلهما ( ولا ينظر ) بقلبه ( إلا فيهما . واعلم أن ما سواهما من الأمور ) الدنيوية ( باطل ) أي فاسد ( لا خير فيه ) بل هو وبال على متعاطيه ( ولغو ) أي ساقط لا نفع به ( لا حاصل له ) وهذا مصداق ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه أو معلم ومتعلم » قال السيد مرتضى : يعنى أن الدنيا مطرودة مبعودة من اللّه تعالى فإنه لم ينظر إليها منذ خلقها ، ملعون