[ اعلم أن العلم أشرف الجوهرين وما ورد في فضل العالم على العابد وما ورد في فضل العلماء وطلب العلم ]
وأرسلت الرّسل ، بل لأجلهما خلقت السّموات والأرض وما فيهنّ من الخلق . وتأمّل آيتين في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، إحداهما : قوله جلّ ذكره
« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً »
وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم لا سيّما علم التّوحيد .
والآية الثّانية قوله جلّ من قائل
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
شرح
السماوية ( وأرسلت الرسل ) عليهم الصلاة والسّلام ( بل لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما فيهن من الخلق ، وتأمل آيتين في كتاب اللّه عز وجل : إحداهما قوله جل ذكره ) في سورة الطلاق( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ )مبتدأ وخبر ( ومن الأرض مثلهن ) أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض ( يتنزل الأمر بينهن ) أي يجرى أمر اللّه وقضاؤه بينهن وينفذ حكمه فيهن ، كذا فسره البيضاوي . وقيل هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره : ينزل المطر ، ويخرج النبات ، ويأتي بالليل والنهار ، وبالصيف والشتاء ، ويخلق الحيوان على هيئته ، وينقله من حال إلى حال فيحكم بحياة بعض وموت بعض ، وسلامة هذا وهلاك هذا . وقيل في كل سماء من سماواته وأرض من أرضيه خلق من خلقه ، وأمر من أمره ، وقضاء من قضائه كما قاله الخازن( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً )يعنى أنه سبحانه وتعالى عالم بكل شئ لا تخفى عليه خافية ، وأنه قادر على الإنشاء بعد الإفناء ، وكل الكائنات جارية تحت قدرته داخلة في علمه كما في الخازن ( وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم ) ولو لم يكن من فضيلة العلم إلا قوله تعالى« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ »كفى ذلك ، فبدأ اللّه تعالى بنفسه وثنى بملائكته ، وثلث بأهل العلم ، وناهيك بهذا شرفا ، والعلماء ورثة الأنبياء كما في الحديث ، وإذا كان لا رتبة فوق النبوة فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة ، وغاية العلم العمل لأنه ثمرته ، وفائدة العمر وزاد الآخرة ، فمن ظفر به سعد ، ومن فاته خسر ، فإذن العلم أفضل من العمل به لأن شرفه بشرف معلومه ، والعمل بلا علم لا يسمى عملا بل رد وباطل ، وللّه در القائل :وكل فضيلة فيها سناء * وجدت العلم من هاتيك أسنى
فلا تعتد غير العلم ذخرا * فإن العلم كنز ليس يفنىوالأخيار والآثار في فضله كثيرة شهيرة ويأتي بعض ذلك ( لا سيما علم التوحيد ) وسيأتي بيانه ( والآية الثانية قوله جل من قائل ) في سورة والذاريات( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ )أي من المؤمنين ( إلا ليعبدون ) قيل هذا خاص بأهل طاعته من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون ، ولذلك قال المصنف وغيره معناه : أي إلا