تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠

[ شرح علم المكاشفة وأن العلم والعبادة جوهران وبيان شرف العلم من الكتاب والسنة بيان شرف العبادة ولزوم الإقبال عليها وأن ما سوى العلم والعبادة باطل ولغو لا حاصل له ]

واعلم أنّ العلم والعبادة جوهران لأجلهما كان كلّ ما ترى وتسمع من تصنيف المصنّفين وتعليم المعلّمين ووعظ الواعظين ونظر النّاظرين ، بل لأجلهما أنزلت الكتب
شرح
وقد عد الشيخ عز الدين بن عبد السّلام تعلم النحو ، وحفظ غريب الكتاب والسنة ، وتدوين أصول الفقه من البدع الواجبة . ومنها علم الباطن وهو نوعان : الأول علم المعاملة ، وهو فرض عين في فتوي علماء الآخرة ، فالمعرض عنه هالك بسطوة مالك الملوك في الآخرة ، كما أن المعرض عن الاعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى علماء الدنيا ، وحقيقته النظر في تصفية القلب وتهذيب النفس باتقاء الأخلاق الذميمة التي ذمها الشارع كالرياء والعجب والغش وحب العلو والثناء والفخر والطمع ليتصف بالأخلاق الحميدة المحمدية كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة ليصلح عند إحكامه ذلك لعمله بعلمه ليرث ما لم يعلم ؛ فعلمه بلا عمل وسيلة بلا غاية ، وعكسه جناية ، وإتقانهما بلا ورع كلفة بلا أجرة ، فأهم الأمور زهد واستقامة لينتفع بعلمه وعمله . وأما النوع الثاني فهو علم المكاشفة ، وهو نور يظهر في القلب عند تزكيته فتظهر به المعاني المجملة فتحصل له المعرفة باللّه تعالى وأسمائه وصفاته وكتبه ورسله وتنكشف له الأستار عن مخبئات الأسرار فافهم ، وسلم تسلم ، ولا تكن من المنكرين تهلك مع الهالكين . قال بعض العارفين : من لم يكن له من هذا العلم شئ أخشى عليه سوء الخاتمة ، وأدنى الغيب منه التصديق به وتسليمه لأهله ، واللّه تعالي أعلم ، كذا ذكره القسطلاني . وفي الإحياء مع شرحه ، وهذه هي العلوم التي أمر بكتمانها وأنها لا تسطر في الكتب ، لأنها علوم ذوقية كشفية تدرك عن مشاهدة لا عن دليل وبرهان ، ولأن المسطور في كتاب يقع في يد الأهل وغير الأهل ، فإن لم يكن أهلا لمعرفته يقع في حيرة عظيمة تترتب عليها مفاسد ، ولا يتحدث بها من أنعم اللّه عليه بشئ منها إلا مع أهله وإلا فقد وضع الشئ في غير محله ، وقد نهى عن ذلك ، وهو : أي أهله المشارك فيه بذوقه السليم وفهمه المستقيم ، ويكون ذلك التحدث على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار ، وهذا هو العلم الخفي الذي أراده صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله « إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل المعرفة باللّه فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار به فلا تحقروا عالما آتاه اللّه علما ، فإن اللّه لم يحقره إذ آتاه العلم » اه ملخصا . ( واعلم أن العلم والعبادة جوهران ) أي مثلهما في النفاسة إذ لا خير سواهما ، والجوهرة في الأصل حجر ينتفع به ( لأجلهما كان كل ما ترى وتسمع من تصنيف المصنفين ، وتعليم المعلمين ، ووعظ الواعظين ، ونظر الناظرين ) أي وفكر المتفكرين ( بل لأجلهما أنزلت الكتب )