[ الكلام على الرضى وبيان أنه من الأحوال أو من المقامات ]
ثمّ يقع في رياض الرّضوان وبساتين الأنس إلى بساط الانبساط ومرتبة التّقريب
شرح
حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك ، كذا قاله القشيري في الرسالة ( ثم يقع في رياض الرضوان ) والرياض : جمع روضة : وهي البستان ، والرضوان : ضد السخط .
وقد اختلف العراقيون والخراسانيون في الرضا هل هو من الأحوال أو من المقامات ؟ فأهل خراسان قالوا : الرضا من جملة المقامات وهو نهاية التوكل ، ومعناه أنه بئول إلى أنه مما يؤول إليه العبد باكتسابه ، وأما العراقيون فإنهم قالوا الرضا من جملة الأحوال وليس ذلك كسبا للعبد ، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال . ويمكن الجمع بين قول الفريقين فيقال : بداية الرضا مكتسبة للعبد وهي من المقامات ، ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة له كالنوازل الضرورية كالرعشة والرعدة بالحمى .
واعلم أن الواجب على العبد الرضا بالقضاء الذي أمر بالرضا به ، إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب عليه الرضا به كالمعاصى وفنون محن المسلمين . قال القشيري : قال عبد الواحد بن زيد : الرضا باب اللّه الأعظم وجنة الدنيا .
واعلم أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق سبحانه إلا بعد أن يرضى عنه الحق سبحانه ، لأن اللّه عز وجل قال : رضى اللّه عنهم ورضوا عنه . قال ابن عطاء : الرضا نظر القلب إلي قديم اختيار اللّه تعالى للعبد ، وهو ترك التسخط . وقال المحاسبي : الرضا سكون القلب تحت مجارى الأحكام .
وقال النووي : الرضا سرور القلب بمر القضاء ، وسيأتي حقيقة ذلك ، وحكمه في العارض الثالث ( وبساتين الأنس إلى بساط الانبساط ) أي البساط الذي كل من جلس عليه حصل له الانبساط وهو ترك الاحتشام : أي الغضب وهو تلك الحضرة الإلهية فشبهها ببساط ملك عظيم تستريح الوفود إذا وصلوا إليه وجلسوا على بساطه . قال شيخ الاسلام : والأنس ناشئ من البسط الناشئ من الرجاء ، لأن من خاف اللّه تعالى وعرف تقصيره في حقه تعالى انقبض قلبه وبقي مشغولا باللّه فيحصل له الهيبة منه ، ومن أمل وصوله إلى خير انبسط قلبه وبقي مشغولا باللّه فيحصل له الأنس به ، ولذا قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : والأنس أتم من البسط ( ومرتبة التقريب ) من اللّه تعالى . قال القشيري : أول رتبة في القرب القرب من طاعته والاتصاف في دوام الأوقات بعباداته إلى أن قال : فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه ، ثم قرب باحسانه وتحقيقه ، وقرب الحق سبحانه ما يخصه في الدنيا به من العرفان ، وفي الآخرة ما يكرمه به من الشهود والعيان ، وفيما بين ذلك بوجوه اللطف والامتنان ؛ فقرب الحق سبحانه بالعلم والقدرة عام للكافة ، وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ثم بخصائص التأنيس مختص بالأولياء . قال اللّه تعالى« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »وقال تعالى« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ »وقال تعالي« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »