تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وعرصات المحبّة
شرح
وقال أبو عثمان : علامة الشوق حب الموت مع الراحة . وقال يحيى بن معاذ : علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات ، قال شيخ الاسلام وذلك بأن يعرض العبد عنها شوقا إلى ربه كما يعرض الطفل عن اللبن حين يطيب له الطعام ويشتاق إليه . وسئل ابن عطاء : الشوق أعلى أم المحبة ؟ فقال : المحبة لأن الشوق منها يتولد وهو أفضل من الأنس ولذلك قدمه ، لأن الآنس قصر نظره على ما انكشف له من جمال المحبوب ولم يمتد نظره إلى استكشاف ما غاب عنه . والمشتاق كالعطشان الذي لا ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف له من الأمور الإلهية بالنسبة إلى ما غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود ، وللّه المثل الأعلى ( وعرصات المحبة ) والعرصات في الأصل جمع عرصة بوزن ضربة ، وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء ، ومحبة الحق سبحانه للعبد إرادته لإنعام مخصوص عليه كما أن رحمته له إرادة الإنعام ؛ فالرحمة أخص من الإرادة ، والمحبة أخص من الرحمة ، فإرادة اللّه تعالى لأن يوصل إلى العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة ، وإرادته لأن يخصه بالقرب والأحوال العلية تسمى محبة ، فإرادته سبحانه صفة واحدة فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها ، فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا ، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة ، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة ، وقوم قالوا محبة الحق سبحانه للعبد مدحه له وثناؤه عليه بالجميل فيعود معنى محبته له على هذا القول إلى كلامه وكلامه قديم . وقال قوم محبته للعبد من صفات فعله ، وهو إحسان مخصوص يلقى اللّه العبد به من الصفات الخيرية ، فأطلقوا اللفظ وتوقفوا عن التفسير . فأما ما عدا هذه الجملة مما هو في المعقول من صفة محبة الخلق كالميل إلى الشئ والاستئناس وكحالة يجدها المحب مع محبوبه من المخلوقين ، فالقديم سبحانه يتعالى عن ذلك . وأما محبة العبد للّه تعالى فحالة يجدها من قلبه تلطف عن العبارة ، وقد تحمله تلك الحالة على تعظيمه وإيثار رضاه وقلة الصبر عنه مع الاستئناس بدوام ذكره له بقلبه ، وليست محبة العبد له ميلا ولا اختلاطا ، كيف وحقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق والإحاطة ، والمحب بوصف الاستهلاك في المحبوب أولى منه بوصف الاختلاط ، ولا توصف المحبة بوصف ولا تحد بحد أوضح ولا أقرب إلى الفهم من لفظ المحبة . قال جعفر : سمعت سمنونا يقول : ذهب المحبون للّه تعالى بشرف الدنيا والآخرة ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « المرء مع من أحبه » . فهم مع اللّه تعالى . وقال النصراباذى : المحبة مجانبة السلو على كل حال ثم أنشد :ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة * فانى من ليلى لها غير ذائق وأكثر شئ نلته من وصالها * أماني لم تصدق كلمحة بارقوقال محمد بن الفضل : المحبة سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب . وقال الجنيد : المحبة إفراط الميل بلا نيل ، ويقال المحبة تشويش في القلوب يقع من المحبوب ، وقال الحسين بن منصور