[ الكلام على الشوق والمحبة ]
فأخذ فيها فقطعها بما أمكنه من كثرة الحمد والشّكر على كثير نعمه ، فلمّا فرغ من قطع هذه العقبة ونزل فإذا هو بمقصوده ومبتغاه بين يديه فلم يسر إلّا قليلا حتّى وقع في سهل الفضل وصحراء الشّوق
شرح
الشكر فمن لم يحمد اللّه لم يشكره » والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته ، والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب ؛ معنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعا واستكانة ، وباللسان ثناء واعترافا ، وبالجوارح طاعة وانقيادا ، ومتعلقه النعم دون الأوصاف الذاتية ؛ فلا يقال شكرنا اللّه على حياة وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود بها كما هو محمود على إحسانه وعدله ، والشكر يكون على الإحسان والنعم ، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس ، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس ، فإن الشكر يقع بالجوارح ، والحمد باللسان ، كذا قاله الزبيدي ( فأخذ ) أي شرع العبد السالك وسار ( فيها ) أي في سلوكها وقطعها ( فقطعها بما أمكنه من كثرة الحمد والشكر على كثير نعمه ) بعد قطع هذه العقبات كلها والظفر بالمقصود من هذه العبادة السالمة من الآفات ( فلما فرغ من قطع هذه العقبة ونزل فإذا هو بمقصوده ومبتغاه ) أي مطلوبه الذي طلبه بجد واجتهاد كما قاله الراغب ، وقال الحراني : الابتغاء افتعال تكلف البغى وهو أشد الطلب ( بين يديه ) أي العبد ( فلم يسر ) في سلوكه ( إلا قليلا حتى وقع في سهل الفضل ) وسعته ( وصحراء الشوق ) أي الشوق الشبيه بالصحراء في السعة وهو ثمرة المحبة . قال العلامة الفاسي : والشوق هو ولوع باطن المحب حال الفراق إلى وصل محبوبه ، وهو من الأحوال السنية والمقامات العلية . وقيل فيه : إنه عبارة عن هبوب قواصف رياح المحبة بشدة ميلها إلى لحاق المشتاق بمشوقه ، فالشوق نتيجة المحبة وثمرتها ، فإذا استقرت المحبة ظهر الشوق فلا يكون المحب إلا مشوقا أبدا فهو من ضرورة صحتها والصدق فيها .
قال : والشوق زيادة وصف المحبة ، فالعمل عليه عمل على المحبة الخالصة ، وهو شوق واشتياق ، قالشوق : هو شغف المحبة في حال منع المحب من المحبوب . والاشتياق : هو زيادة الشغف في حال وصل المحب بالمحبوب مخافة القطيعة بعد الوصلة ، فالشوق يكون بالتلاقى والرؤية ، والاشتياق لا يزول باللقاء ، وفي معناه أنشدوا :ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته * حتى يعود إليه الطرف مشتاقاومن ثم قيل إن الاشتياق أعلى من الشوق لأنه لا يسكن بلقاء المشتاق إليه . وقال الشيخ أبو العباس المرسى قدس سره : الشوق على قسمين : شوق على الغيبة لا يسكن إلا بلقاء الحبيب وهو شوق النفوس . وشوق الأرواح على الحضور والمعاينة انتهى ، وكأن شوق الأرواح هو الذي سماه غيره بالاشتياق كما صرح به الفاسي ، فالمحب أبدا مستغرق الهم في شأن محبوبه كما أشار إلي ذلك الشيخ عمر بن الفارض رضى اللّه عنه حيث قالوما بين شوق واشتياق فنيت في * تول بحظر أو تجل بحضرة