إليه يردون عليه بالرّوح والرّيحان ، والبشرى والرّضوان من عند ربّ راض غير غضبان فينقلونه في طيبة النّفس وتمام البشر والأنس من هذه الدّار الفانية المفتنة إلى الحضرة الإلهيّة ومستقرّ رياض الجنّة فيرى لنفسه الضّعيفة الفقيرة نعيما مقيما وملكا كبيرا عظيما ويلقى هتالك من سيّده الرّحيم المتفضّل الكريم جلّ ذكره من اللّطف به والعطف والتّرحيب والتّقريب والإنعام والإكرام مالا يحيط به وصف الواصفين ونعت النّاعتين
شرح
ونقل عن المتقدمين أعداد مختلفة في العالمين وفي مقارّها اللّه أعلم بالصحيح منها ، كقول مقاتل : هي ثمانون ألف عالم ، والضحاك ثلاثمائة وستون عالما حفاة عراة لا يعرفون خالقهم ، وستون ألفا مكسيون يعرفونه ، قال ابن المسيب : للّه ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر ، وقال مقاتل ثمانون ألفا نصفها في البر ونصفها في البحر ، وقال وهب . ثمانية عشر ألفا : عالم الدنيا عالم منها . وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء ، وقال كعب الأحبار : لا يحصى عدد العالمين أحد غير اللّه تعالى . قال اللّه تعالى -وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ- كذا قاله العلامة ابن حجر في شرح الأربعين ( إليه يردون ) بفتح الياء وكسر الراء : أي يحضرون ( عليه بالروح ) بالفتح :
الراحة والرحمة والسعة والفرج ( والريحان ) أي المشموم من الجنة ، ويطلق على الرزق وعلى الاستراحة وعلى الطيب مطلقا وعلى الشجر المعروف وعلى كل نبت مشموم الرائحة ، فالريحان ما تنبسط إليه النفوس فهو دليل علي النعم فالمطلوب أن يلقى ريحانا من الجنة كما قررته . قال بعضهم : أريد به مطلق الرزق في القبور ، وفي قوله : روح وريحان ضرب من التجنيس ( والبشرى ) بالجنة ( والرضوان من عند رب راض غير غضبان ) ويعرف رضاه سبحانه إذا وجد العبد قلبه راضيا عنه ، وقيل : قال موسى عليه السّلام : إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت به عنى ، فقال إنك لا تطيق ذلك فخر موسى عليه السّلام ساجدا متضرعا ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا ابن عمران : إن رضاى في رضاك بقضائي ( فينقلونه ) أي ينقله الرسل ( في طيبة النفس وتمام البشر ) بكسر الباء : أي طلاقة الوجه ( والأنس من هذه الدار الفانية المفتنة ) وهي دار الدنيا ( إلى الحضرة الإلهية ) أي الحضرة المنسوبة إلى الإله جل ذكره ( ومستقر رياض الجنة ) أي محل استقرار بساتينها ( فيرى ) العبد ( لنفسه الضعيفة ) العاجزة ( الفقيرة ) أي الدائمة الحاجة ( نعيما مقيما وملكا كبيرا ) أي ( عظيما ويلقى هنالك ) أي في الحضرة الإلهية ( من سيده الرحيم المتفضل الكريم ) أي ذي الكرم والجود ( جل ذكره من اللطف ) بيان مقدم لما في قوله :
ما لا يحيط وهو معول يلقى ( به والعطف ) والرحمة ( والترحيب ) أي التوسيع بقوله تعالى : مرحبا يا عبدي ( والتقريب ) قربا معنويا ( والإنعام ) بكسر الهمزة : أي إعطاء النعمة ( والإكرام ما لا يحيط به وصف الواصفين ونعت الناعتين ) هما مترادفان .