تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
ومجلس المناجاة ونيل الخلع والكرامات ، فهو يتنعّم في هذه الحالات ويتقلّب في طيبها أيّام بقائه وبقيّة عمره بشخص في الدّنيا وقلب في العقبى ينتظر البريد يوما فيوما حتّى يملّ الخلق كلّهم ويستقذر الدّنيا ويحنّ إلى الموت ويستكمل الشّوق إلى الملإ الأعلى فإذا هو برسل ربّ العالمين .
شرح
وقال تعالي« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ». اه ملخصا ( ومجلس المناجاة ) أي مجلس المحادثة في سره بالمعارف والأسرار ( ونيل الخلع ) أي حصول العطايا ، وهي بكسر الخاء وفتح اللام جمع خلعة بكسر الخاء وسكون اللام ، وهي في الأصل ما يعطيه الملوك والكبراء غيرهم من الثياب كما أفاده بعضهم ( و ) حصول ( الكرامات ) أي الحقيقية : وهي حصول الاستقامة والوصول إلي كماله ومرجعها إلى أمرين : صحة الإيمان باللّه عز وجل ، واتباع ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ظاهرا وباطنا . وأما الكرامة بمعنى خرق العادة فلا عبرة بها عند المحققين ، إذ قد يرزق ذلك من لم تكمل له الاستقامة ، ولذلك قال بعض العارفين : ليس الشأن من تطوى له الأرض فإذا هو بمكة وغيرها من البلدان ، إنما الشأن من تطوى عنه أوصاف نفسه فإذا هو عند ربه ، وقال أبو يزيد قدس سره : لو أن رجلا بسط مصلاه على الماء وتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهى . وقيل له : إن فلانا يقال إنه يمر في ليلة إلي مكة ، فقال : الشيطان يمر في لحظة من المشرق إلي المغرب ، وهو في لعنة اللّه ( فهو يتنعم في هذه الحالات ) المذكورات ( ويتقلب ) أي يتنزه ويتردد ( في طيبها أيام بقائه وبقية عمره بشخص ) أي بجسم ( في الدنيا وقلب في العقبى ) أي في الآخرة ، وهذا شأن من علت همته ولم يتعلق بالدنيا قلبه ، وللّه در القائل :فكن رجلا رجله في الثرى * وهامة همته في الثريا( ينتظر البريد ) أي الرسول ، وهو ملك الموت ( يوما فيوما حتى يمل الخلق ) من الملال بمعنى السآمة : أي يسأمهم ( كلهم ويستقذر الدنيا ) أي يعدها قذرا وخبثا ( ويحن ) أي يشتاق ( إلي الموت ويستكمل الشوق ) أي الميل ( إلى الملأ ) وهم الجماعة من الأشراف ودوى الرأي من القوم يملئون العيون والقلوب جلالة وبهاء ( الأعلى ) نعت له ، وهو أفعل من العلو دال على زيادته وكثرته ، والمراد به الملائكة . وقيل : الملائكة العلوية ومحلهم السماء ، وهي أعلى من الأرض وهم دائمون في حضرة القدس ومحل القرب والمشاهدة والسماع للوحي ( فإذا هو برسل ) اللّه وهم ملائكة الموت ( رب ) أي ملك أو سيد أو مصلح أو مربى أو خالق أو معبود ( العالمين ) جمع عالم شذوذا لأنه اسم جمع كالأنام ، وجمعه بالواو والنون أشذ لعدم استكماله شروط هذا الجمع ، لكن لما كان بعض مدلوله وهم العقلاء أشرف غلبوا ، ومنع المحقق ابن مالك كونه جمعا لعالم ، بل هو اسم جمع كما هو مقرر في محله .
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 64 | السيد احمد بن زيني دحلان