تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وأخرى يمتنع عن ذلك ويلوم نفسه فيعجب بنفسه فيحبط العبادة عليه ويتلفها ويفسدها فاستقبلته ههنا ( عقبة القوادح ) فاحتاج إلى قطعها بالإخلاص وذكر المنّة ونحوها ليسلم له ما يعمل من خير فأخذ في قطع هذه العقبة بإذن اللّه سبحانه وتعالى بجدّ واحتياط وتيقّظ بحسن عصمة الجبّار تعالى وتأييده ، فلمّا فرغ من هذه كلّها حصلت له العبادة
شرح
واعلم أن المراءى به كثير يجمعه خمسة أقسام : الأول الرياء في الدين بالبدن كاظهار النحول والصفار وتشعيث الشعر ليدل بالنحول على قلة الأكل ، وبالصفار على سهر الليل ، وعظم الحزن على الدين ، وبالتشعيث على استغراق الهم بالدين ، وعدم التفرغ لتسريح الشعر . والثاني الرياء بالهيئة والزي كاطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقا ولبس المرقعة . والثالث الرياء بالقول كالنطق بالحكمة وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بمشهد الخلق ، وإظهار الغضب للمنكرات ، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن . والرابع الرياء بالعمل كمراءاة المصلى بطول القيام والسجود والركوع وترك الالتفات وإظهار السكون وتسوية القدمين واليدين ، وكذلك في الصوم والحج والصدقة وإطعام الطعام . والخامس المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير عالما أو عابدا أو ملكا أو عاملا من أعمال السلطان ليقال إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين ، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقى شيوخا كثيرة واستفاد منهم فيتباهى بشيوخه أفاده بعض المحققين ( وأخرى ) أي تارة أخرى ( يمتنع عن ذلك ) الرياء ( ويلوم ) أي يعتب على ذلك ( نفسه فيعجب بنفسه فيحبط ) أي العجب ( العبادة ) أي ثوابها ( عليه ) بالكلية . ومعنى الإحباط : الإفساد والإهدار كما في المصباح ( ويتلفها ويفسدها ) بمعنى واحد ( فاستقبلته ههنا ) أي في ظهور الآفتين العظيمتين وهما الرياء والعجب ( عقبة القوادح ) جمع قادح ، وهو العيب والنقص كما في المصباح ، والمراد هنا الصفات المهلكات للعبادة ، وهي الرياء والعجب ( فاحتاج إلى قطعها بالإخلاص ) للّه تعالى ( وذكر المنة ) منه ( ونحوها ) أي كاستحضار نظر اللّه العليم بأسراره حال بروز العبادة منه ( ليسلم له ما يعمل من خير فأخذ في قطع هذه العقبة بإذن اللّه سبحانه وتعالى بجد ) بكسر الجيم : أي اجتهاد ومبالغة في الأمر ( واحتياط وتيقظ ) أي تنبه ( بحسن عصمة ) أي حفظ ( الجبار ) اسم من أسمائه ( تعالى ) وهو في الأصل : إصلاح الشئ بضرب من القهر ؛ فمعناه المصلح لخلل العباد بردهم للتوبة أو بغير ذلك ، وقيل معناه الذي يقهر العباد على كل ما أراد ( وتأييده ) أي تقويته ( فلما فرغ من هذه ) أي من قطع هذه العقبات ( كلها حصلت له العبادة )