تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
والصّبر عند نزول الشّدائد ، والرّضا عند نزول القضاء ،
شرح
أي تسليم الأمور إلى اللّه تعالى في الموضع المذكور ، وذلك لطمأنينة القلب في الحال ، وحصول الصلاح والخير في الاستقبال . ( و ) ثالثها ( الصبر ) أي حبس النفس علي العبادات ومشاقها ، و ( عند نزول الشدائد ) أي المصائب عليه وحرارتها ، والصبر عن المنهيات والشهوات ولذاتها ، وأفضل أنواعه الأخير ، فالأول لخبر ابن أبي الدنيا وابن جرير ، لكن باسناد ضعيف « إن الصبر على المصيبة يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة ، وإن الصبر على الطاعة يكتب به للعبد ستمائة درجة ، وإن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة » وللّه در القائل .وقل من جد في أمر يطالبه * واستعمل الصبر إلا فاز بالظفروللعارفين فيه عبارات مآلها إلى معنى واحد نحو قولهم : الصبر هو الثبات على الكتاب والسنة ، وقولهم : هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ، وقولهم أيضا : هو أن لا يعترض على المقدور ، فلا ينافيه إظهار البلاء على وجه الشكوى . قال اللّه تعالى في أيوب عليه السّلام :« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »مع أنه قال« مَسَّنِيَ الضُّرُّ »كما أفاده العلامة ابن حجر في شرح الأربعين . قال حجة الاسلام : وذلك للوصول إلى العبادة وحصول المقصود ، فان مبنى أمر العبادة كلها على الصبر واحتمال المشتقات ، فمن لم يكن صبورا لم يصل إلى شئ من حقيقة العبادة . ( و ) رابعها ( الرضا عند نزول القضاء ) أي فيما حكم به في الأزل من إشقاء وإسعاد وتقريب وإبعاد وشدة ورخاء . قال اللّه تعالى« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » *فرضا الرب سبحانه سبب لرضا العبد عن اللّه ورضا العبد باللّه وعن اللّه سبب لرضا اللّه عن عبده ، والرضا الأول ذاتي لتعلقه بتخصيص الإرادة ، والرضا الثاني فعل لأنه ثواب اللّه يفيضه علي عبده الراضي زيادة علي جزائه ، ثم قال« ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ »فان الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير ، وفي الخبر « طوبى لمن هدى للاسلام وكان رزقه كفافا ورضي به » . رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « من رضى من اللّه تعالى بالقليل من الرزق رضى اللّه تعالى منه بالقليل من العمل » قال العراقي : رويناه في أمالي المجاملى من حديث على كرم اللّه وجهه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه ، فان صبر اجتباه ، وإن رضى اصطفاه » . رواه صاحب القوت من طريق أهل البيت ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أعطوا اللّه الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا » رواه الديلمي في مسند الفردوس . وقال أبو بكر بن طاهر : الرضا إخراج الكراهية من القلب حتى لا يكون فيه إلا فرح وسرور . وقال ابن خفيف : الرضا سكون القلب إلى أحكامه وموافقة القلب بما رضى اللّه به واختاره . وسئلت رابعة متى يكون العبد راضيا ؟ فقالت : إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة . وبالجملة من عرف خفى لطف اللّه تعالى رضى بفعله علي كل حال ، ويروى في الإسرائيليات أن عيسى عليه السّلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول : الحمد للّه الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من خلقه ، فقال له يا هذا أي شئ
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 56 | السيد احمد بن زيني دحلان