شرح
والجليل جل جلاله لا ينظر إليهم ولا يكلمهم كلمة واحدة فحينئذ يذهبون إلى آدم عليه الصلاة والسّلام ثم إلى نبي بعد نبي يشفع لهم ويعتذر كل واحد من الأنبياء عن عدم تقدمه للشفاعة فلا يزالون كذلك ألف عام حتى ينتهى الأمر إلى سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم فيقول : أنا لها كما هو مذكور في الصحيحين وفي ذلك اليوم تكور الشمس وتنكدر النجوم وتمور السماء فوق الخلائق مورا وتنفطر انفطارا من عظيم هول ذلك اليوم وتشقق بالغمام المنزل عليهم من فوقهم وتكشط السماوات وتتنزل الملائكة تنزيلا وتقوم الخلائق على أقدامهم من مقدار أربعين عاما إلى ثلاثمائة عام في الظلمة التي دون الصراط المسمى في الحديث بالجسر . وقال عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنهما تزدحم الخلائق يوم القيامة كازدحام النشاب في الجعبة ، والسعيد في ذلك اليوم هو من يجد لقدمه موضعا يضعه عليه فإذا دعى الخلائق إلي الميزان كادت عقولهم تطير من الخوف فمن ثقلت موازينه نادى مناد ألا إن فلان ابن فلان ثقلت موازينه وسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا ، ومن خفت موازينه نادى مناد ألا إن فلان ابن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدا فإن المسلمين والمؤمنين من سائر الأمم في الجنان متفاوتون في المراتب والمنازل . وأما الكفار فلا تقام لهم موازين مطلقا وفي حديث مسلم مرفوعا « إن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين باعا وإنه يبلغ إلى أفواه الناس أي حتى يلجمهم » كما في رواية أخرى . وعن ابن عباس في قوله تعالى« يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ »قال يقومون في العرق في ذلك اليوم ألف عام . وروى الوائلي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يوما « كيف بكم إذا جمعكم اللّه تعالى كالنشاب في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم » وذكر أبو الفرج بن الجوزي رحمه اللّه أن جبريل عليه السّلام خوف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من يوم القيامة حتى أبكاه فقال يا جبريل ألم يغفر اللّه لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر فقال يا محمد لتشهدن من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة انتهى . قال العلماء وإذا عرق الخلائق في ذلك اليوم من شدة حر الشمس كان كل واحد غارقا في عرقه لا يتعداه إلى من هو بجانبه كما لا يمشى أحد في نور أحد يوم القيامة إنما نور كل إنسان على قدر نفسه وهذا من القدرة التي تكون في زمن الآيات يوم القيامة ، ونظير ذلك ما يقع في الدنيا يكون المؤمن يمشى في نور إيمانه والكافر بجانبه في ظلمة كفره لا يناله من نور المؤمن شيء وكذلك البصير يمشى مع الأعمى ملاصقا لا يناله من نور بصره شئ فافهم . فان قال قائل فمن أين يحصل ذلك العرق على كل من عرق في ذلك اليوم . فالجواب أنه يحصل عليه من عدم إخراجه في دار الدنيا في مرضاة اللّه تعالى من جهاد وحج وصيام وقيام وتردد في قضاء حوائج المسلمين وحفر الآبار والقبور لمصالح العباد ونحو ذلك فإذا كان يوم القيامة استخرجه اللّه منه في مواقف القيامة بواسطة ما يقع له من الحياء والخجل أو من الخوف والوجل . وقال سيدي علي الخواص رحمه اللّه إنما تعظم الأهوال على العبد يوم القيامة . لأجل تفريطه في عمل الخيرات هنا وكان حجة الإسلام يقول من سلم من الجهل والغرور علم أن تعب العرق وتحمل مصائب الدنيا أهون أمرا وأقصر زمنا من عرق الكرب والانتظار يوم القيامة . وقال أبو حازم رضى اللّه عنه لو نادى مناد من السماء ألا إن فلان بن فلان أمن من أهوال القيامة لكان الواجب عليه الخوف من دخول النار فنسأل اللّه تعالى من فضله