فإن قيل : فإذا قد أحلّ اللّه لنا هذا الحلال ، فاللّوم والتّعبير في أخذه لماذا ؟
فاعلم أنّ اللّوم والتّعيير لتركه الأدب كمن أجلس على مائدة الملك فترك الأدب فإنّه يعيّر بذلك ويلام ، وإن كان الطّعام له مباحا فالأصل في هذا الباب أنّ اللّه تعالى خلق العبد لعبادته ، وهو عبد للّه تعالى من كلّ وجه ، فحقّ للعبد أن يعبد اللّه تعالى من وجه يمكنه ويجعل أفعاله كلّها عبادة من أىّ وجه أمكنه ، فإن لم يفعل ذلك وآثر شهوة نفسه واشتغل بذلك عن عبادة ربّه مع تمكّنه من ذلك من غير تعذّر ، والدّار دار خدمة وعبادة ، لا دار تنعّم وشهوة ، فيستحقّ اللّوم بذلك والتعيير من سيّده ؛ فتأمّل هذا الأصل راشدا ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العلىّ العظيم .
شرح
الزاد قبل يوم الميعاد وافعلوا هذه الخصال لتخفف عنكم الأهوال واللّه يتولى هداكم وهو يتولى الصالحين والحمد للّه رب العالمين . ثم قال المصنف رحمه اللّه ( فإن قيل فإذا ) كان الأمر ( قد أحل اللّه لنا هذا الحلال فاللوم والتعيير في أخذه ) أي الحلال ( لما ذا ) أي لأي شئ كان ذلك ( فاعلم أن اللوم والتعيير لتركه ) أي ترك العبد في أخذ ذلك الحلال ( الأدب ) وذلك ( كمن أجلس ) بالبناء للمفعول ( على مائدة الملك ) ليأكلها ( فترك الأدب فإنه يعير بذلك ) أي بترك الأدب ( ويلام ) عليه ( وإن كان الطعام له ) أي لمن أجلس على المائدة ( مباحا فالأصل في هذا الباب ) أي باب أخذ المباح ( أن اللّه تعالى خلق العبد لعبادته ) كما هو مذكور في نص كتابه « وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون » ( وهو عبد للّه تعالى من كل وجه ) وفي كل حال ( فحق ) أي وجب ( للعبد أن يعبد اللّه تعالى من كل وجه يمكنه و ) أن ( يجعل أفعاله ) أي العبد ( كلها عبادة من أي وجه أمكنه فإن لم يفعل ) العبد ( ذلك ) أي الجعل المذكور ( وآثر ) أي اختار ( شهوة نفسه واشتغل بذلك ) أي بإيثار الشهوة واختيارها ( عن عبادة ربه مع تمكنه من ذلك ) أي العبادة ( من غير تعذر ، والدار ) أي والحال أن الدار التي هي الدنيا ( دار خدمة و ) دار ( عبادة ) للّه تعالى ( لا دار تنعم و ) لا ( شهوة فيستحق ) أي العبد الذي آثر شهوته ( اللوم بذلك ) أي بسبب إيثار الشهوة والاشتغال عن العبادة مع التمكن منها ( و ) يستحق ( التعيير ) أي التوبيخ ( من سيده ) الخالق له ( فتأمل هذا الأصل ) وهو أن اللّه خلق العبد لعبادته ( راشدا ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ) أي لا تحول عن معصية اللّه إلا باللّه ولا قوة على طاعة اللّه إلا بعون اللّه هكذا ورد تفسيره عنه عليه السّلام عن جبريل أفاده العلامة يوسف السنبلاوينى ، والعلى المرتفع الرتبة المنزه عما سواه ، والعظيم ذو العظمة والكبرياء قاله الصاوي وإنما أتى المصنف رحمه اللّه بالحوقلة لأجل التبري منها فهذه علامة الإخلاص منه رحمه اللّه كما قال بعضهم صحح عملك بالإخلاص وصحح