تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
شرح
« إن اللّه تعالى يحشر الأمم من الجن والإنس عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوك أهل الأرض ولزمهم الذل والصغار بعد عزهم وتجبرهم على عباد اللّه في أرضه ولم يعملوا بوصيته سبحانه وتعالى ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رءوسها بعد توحشها من الخلائق وانفرادها في البراري والقفار ذليلة خاضعة من هول ذلك اليوم مع أنها ليس عليها خطيئة ولا وقعت في ريبة ثم وقفت من وراء الخلق كلهم ذليلة منكسرة لخالقها ثم أقبلت الشياطين بعد عتوها خاضعة ذليلة للعرض على الديان فإذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها تناثرت نجوم السماء من فوقها وطمست الشمس والقمر فأظلمت عليهم الدنيا وصارت سماء الدنيا من فوقهم فدارت بعظمها فوق رؤوسهم والخلق كلهم ينظرون إلى تلك الأهوال فبينما هم كذلك إذا انشقت السماء بغلظها فوق رؤوسهم وهي مسيرة خمسمائة عام حتى يقطع سمكها فياشدة هول صوت انشقاقها في أسماع الخلائق ثم تمزقت وانفطرت من هول ذلك اليوم ثم ذابت حتى صارت كالفضة المذابة كما أشار إليه قوله تعالى« فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ »وقوله تعالى« يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ »أي كالصوف المنفوش وهو أضعف الصوف ثم هبطت الملائكة من حافتها إلى الأرض بالتقديس لربها فتفزع جميع الخلائق من شدة عظم أجسامهم وهول أصواتهم ومخافة من أن يكونوا أمروا بأخذ الخلائق إلى النار ثم يأخذون مصافهم محدقين بالخلائق منكسين رؤوسهم لعظم هول ذلك اليوم ذليلين خاضعين لربهم وكذلك ملائكة السماء الثانية وما بعدها إلى السماء السابعة قد أضعف أهل كل سماء على أهل السماء التي بعدها في العدد وكبر الأجسام والأصوات فإذا حضروا كلهم الموقف واجتمع أهل السماوات السبع وأهل الأرضين السبع زاد حر الشمس مقدار حرها عشر سنين ثم أدنيت من الخلائق قاب قوس أو قوسين ولا ظل في ذلك اليوم إلا ظل عرش الرحمن فمن الناس من يكون في ظل العرش ومنهم من يكون في ضح الشمس أي حرها قد صهرته واشتد منها كربه وأقلقته مع شدة ازدحام الأمم وتضايقها ودفع بعضها بعضا وانقطاع الأعناق من شدة العطش قد اجتمع عليهم في ذلك الموقف حر الشمس ووهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم وفاض العرق منهم على وجه الأرض ثم على أقدامهم علي قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم من السعادة والشقاوة فمنهم من يبلغ العرق إلى منكبيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم من يبلغ شحمة أذنيه ومنهم من قد ألجمه العرق وكاد أن يغيب فيه » . وروى عن الضحاك رضى اللّه عنه أنه قال « إذا كان يوم القيامة أمر اللّه سماء الدنيا فتشققت بأهلها فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرها الرب بالنزول فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها ثم يأمر اللّه أهل السماء التي تليها فينزلون فيكونون صفا خلف ذلك الصف ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة ثم ينزل الملك الأعلى في بهائه وجماله وملكه وبجنبته اليسرى جهنم فيسمعون زفيرها وشهيقها فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا قياما من الملائكة فذلك قوله تعالى« يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ »