والحبس حبس عن الجنّة مدّة الحساب ، وذلك في عرصات القيامة بين أهوالها ومخاوفها عريانا عطشان وكفى بذلك بليّة .
شرح
العافية وذكر الامام القشيري في شرحه المقسط الجامع أنه لو كان على العبد دانق وله عمل سبعين نبيا ما دخل الجنة حتى يؤدى ذلك الدانق ، وذكر أنه يعطى لصاحب الدانق في دانقه يوم القيامة سبعمائة صلاة مقبولة فلا يرضيه ذلك وكان حجة الإسلام مصنف هذا الكتاب رحمه اللّه يقول لو تأمل العبد الصائم القائم في عبادته طول الليل والنهار ورآها بعين الانصاف دون عين الاغترار لوجد ثوابها كلها قد لا يرضي به واحد يوم القيامة في مرور غيبة على خاطره إذا حكمه اللّه تعالى فيه لا سيما الأعداء والحاسدون . وكان رحمه اللّه يقول ربما يأتي العبد الصائم القائم في عبادته طول الليل والنهار العالم العامل يوم القيامة فلا يجد في صحيفته حسنة واحدة فيقول يا رب أين ثواب أعمالى ؟
فيقول له نقلت إلى صحائف خصمائك كل يوم بيومه وربما يأتي العبد يوم القيامة فيعطى صحيفته فيجدها كلها سيئات فيقول يا رب إني لا أعلم أنى وقعت في هذه السيئات فيقال له هذه سيئات خصومك الذين وقعت في أعراضهم واحتقرتهم ورأيت نفسك أفضل منهم وظلمتهم في المعاملة والمبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملات . وكان الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول بلغنا أن الملائكة تقول للبهائم والوحوش إذا حشروا : إن اللّه لم يحشركم لثواب ولا لعقاب وإنما حشركم لتشهدوا فضائح بني آدم التي كانوا يخفونها عن الناس انتهى . نسأل اللّه تعالى أن يستر فضائحنا في ذلك اليوم آمين اللهم آمين . وقال أبو بكر بن العربي رحمه اللّه تؤخذ المظالم من جميع الأعمال إلا الصوم لقوله تعالى « الصوم لي وأنا أجزى به » لكن بشرط أن يكون غير معلوم لأحد من الخلق ولا مكتوبا في الصحف فإن هذا هو الذي يستره اللّه عن العباد ويخبئه للعبد حتى يكون عليه جنة من العذاب فإذا طرح المظلومون سيئاتهم على هذا الظالم الصائم الذي لم يعلم أحد بصيامه وجدوا الصوم جنة عليه ولا تضره تلك السيئات . قال القرطبي وهو تأويل حسن وجمع بين الآيات والأخبار . وقد ورد في الصحيح « إن اللّه تعالى يصلح بين عباده في الآخرة ويرضى عنهم خصماءهم » كما ورد « أن اللّه تعالى يقول لمن شدد في استقضاء حقه ولم يبق للظالم حسنة أرفع بصرك وانظر فينظر فإذا قصر من ذهب وبساتين فيقول يا رب لمن هذا ؟ فيقول الحق جل وعلا لمن أعطى ثمنه فيقول ومن يقدر على ذلك ؟ فيقول له الحق تعالى أنت قال بماذا ؟
فيقول بعفوك عن أخيك قال يا رب فإني قد عفوت عنه فيقول خذ بيد أخيك وأدخله الجنة » قال العلماء رضى اللّه عنهم ويجب حمل هذا على من لم يرد اللّه أن يعذبه وأراد أن يعفو عنه ويرضى عنه خصماءه جمعا بين الأحاديث . قال المصنف ( والحبس حبس عن ) دخول ( الجنة مدة الحساب وذلك ) الحبس ( في عرصات القيامة بين أهوالها ومخاوفها ) وشدائدها ( عريانا ) بلا لباس ( عطشان وكفي بذلك ) الباء زائدة أي كفى ذلك الحبس مع تلك الأهوال والمخاوف ( بلية ) أي مصيبة : روى في الآثار