شرح
القيامة بالدين » وفي الحديث « يقول اللّه عز وجل للملائكة خذوا من أعمال المديون الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر مظلمته ، فإن كان المديون وليا للّه عز وجل وفضل من حسناته مثقال حبة من خردل ضاعفها الحق تعالى له حتى يدخله بها الجنة ثم قرأ صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وإن كان المديون عبدا شقيا قالت الملائكة يا رب قد فنيت حسناته وبقي عليه مطالبون فيقول اللّه عز وجل للملائكة خذوا من أعمالهم فأضيفوها إلى سيآته وصكوا له صكا إلى النار » وفي الحديث أيضا مرفوعا « إنه ليكون للوالدين علي ولدهما دين فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به فيقول أنا ولدكم فيودان ويتمنيان لو كان أكثر من ذلك » وكان أبو هريرة رضى اللّه عنه يقول بلغنا أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول مالك وما بيني وبينك معرفة ولا معاملة فيقول إنك كنت تراني على المنكر والخطايا فلا تنهاني . فإن قال أحد من ضعفاء العقول كيف توضع سيئات العبد على ظهر من لم يعملها وقد قال تعالى« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » *فالجواب أن اللّه تعالى هو صاحب الأحكام الشرعية فله أن يضعها حيث شاء وقد قال اللّه تعالى في آية أخرى« وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ »فإياكم والاعتراض على شئ من أحكام ربكم التي حكم بها والحمد للّه رب العالمين ، والذي يجب عليكم أن تحاسبوا أنفسكم قبل يوم الحساب . قال عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : حاسبوا أنفسكم على أعمالكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزن عليكم . قال العلماء رضى اللّه عنهم حساب العبد نفسه أن يتوب من كل معصية فعلها قبل موته ويرد جميع المظالم إلى أهلها ويستحل كل من وقع في عرضه حتى تطيب نفسه فإذا حاسب نفسه كذلك دخل الجنة بغير حساب إن شاء اللّه تعالى ، إذ الحساب لا يكون يوم القيامة إلا على ما فرط العبد فيه بترك المحاسبة . وكان الإمام الغزالي مصنف هذا الكتاب رحمه اللّه يقول كم من متعلق بأخيه يوم القيامة يقول يا رب قد ذكرني في غيبتي بما يسوءنى وكم ممن يقول يا رب قد جاورني فأساء جواري وآذاني بلسانه وآذى أولادي بشم رائحة طعامه ولم يطعمهم منه شيئا وكم ممن يتعلق بأخيه يقول قد عاملتنى فغشيتني وأخفيت عنى عيب متاعك حين بعتنى وكم ممن يتعلق بأخيه ويقول إنك رأيتني في اليوم الفلاني محتاجا وأنت غنى فلم تعطني حاجتي وكم ممن يتعلق بأخيه يقول يا رب قد استحقرنى ورأى نفسه خيرا مني وكم ممن يقول لأخيه قد رأيتني مظلوما وكنت قادرا على رفع الظلم عنى فلم تفعل فلا يزال المظلومون يتعلقون بمن ظلمهم من إخوانهم والظالم بين أيديهم ذليل خاضع من هول ذلك اليوم مبهوت متحير من كثرة أرباب الحقوق عليه محبوس عن دخول الجنة حتى ينتصفوا كلهم منه وهناك ينادى المنادى اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن اللّه سريع الحساب . قال القرطبي سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : العاقل من أكثر من الأعمال الصالحة في هذه الدار وأخلص فيها ليصل في الدار الآخرة ويعطيها لأصحاب الحقوق التي عليه حتى يرضوا وإلا فلا بد من طرح سيئات المظلومين علي ظهر الظالم كما ثبت في الأحاديث وكان يقول ربما أكثر العبد من الأعمال الصالحة حتى صارت في عينه كالجبال وظن النجاة بها فنوقش فيها فطلعت كلها مخلوطة بالرياء فأحبطت فكان حكمه حكم من فتح مطلبا وأخذ منه جرابا يعتقده ذهبا ثم أتى به إلى داره ففتحه فإذا كله خنفس أو عذرة نسأل اللّه