تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
في الجملة ثلاثة أقسام ، أحدها : أن يأخذه العبد مفاخرا مكاثرا مباهيا مرائيا فيكون الأخذ منه فعلا منكرا يستوجب على ظاهر فعله الحبس والحساب واللّوم والتّعبير وهو منكر وشرّ يستوجب على باطن فعله وهو التّكاثر والتّفاخر عذاب النّار ، وذلك القصد منه معصية وذنب لقوله تعالى :
( أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ ،
إلى قوله
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ )
.
شرح
في الجملة ثلاثة أقسام أحدها أن يأخذه ) أي المباح ( العبد مفاخرا ) على الفقراء ( مكاثرا ) أي طالبا كثرة المال ( مباهيا ) أي مفاخرا على الأقران ( مرائيا فيكون الأخذ ) أي أخذ العبد ( منه ) أي من المباح ( فعلا منكرا ) ينكره الشرع ( يستوجب على ظاهر فعله ) أي المباح ( الحبس والحساب واللوم والتعيير وهو ) أي ظاهر الفعل الذي يستوجب ما ذكر ( منكر وشر يستوجب على باطن فعله ) أي المباح ( وهو ) أي باطن الفعل ( التكاثر ) للأموال ( والتفاخر ) أي التباهي على الغير ( عذاب النار ) بالنصب مفعول يستوجب ( وذلك القصد ) أي قصد التفاخر والتكاثر والمباهاة والرياء في أخذ المباح ( منه ) أي من العبد ( معصية وذنب لقوله تعالى ) اعلموا( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) *أي مدة الحياة في هذه الدار الدنيا وإنما أراد من صرف حياته في غير طاعة اللّه فحياته مذمومة ومن صرف حياته في طاعة اللّه فحياته خير كلها ثم وصفها بقوله ( لعب ) أي باطل لا حاصل له كلعب الصبيان ( ولهو ) أي فرح ساعة ثم ينقضى عن قريب ( وزينة ) أي منظر يتزينون به وقوله تعالى« وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ »أي باطل وغرور لا بقاء لها وهل المراد بهذه الحياة حياة المؤمن والكافر قولان أحدهما أن المراد بها حياة الكافر لأن المؤمن لا يزداد بحياته في الدنيا إلا خيرا لأنه يحصل في أيام حياته من الأعمال الصالحة والطاعة ما يكون سببا لحصول السعادة في الآخرة ، وأما الكافر فان كل حياته في الدنيا وبال عليه قال ابن عباس رضى اللّه عنهما يريد حياة أهل الشرك والنفاق والقول الثاني أن هذا عام في حياة المؤمن والكافر لأن الإنسان يلتذ باللعب واللهو ثم عند انقضائه تحصل له الحسرة والندامة لأن الذي كان فيه من اللعب واللهو سريع الزوال لا بقاء له فبان بهذا التقرير أن المراد بهذه الحياة حياة المؤمن والكافر وأنه عام فيهما وإنما شبه الحياة الدنيا باللعب واللهو لسرعة زوالها وقصر عمرها كالشىء الذي يلعب به وقيل معناه أن أمر الدنيا والعمل لها لعب ولهو فأما فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة وإن كان وقوعه في الدنيا كذا ذكره الخازن ( إلي قوله ) تعالى( وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ )أي لمن كانت حياته بهذه الصفة قال أهل المعاني زهد اللّه بهذه الآية في العمل للدنيا وهذه صفة حياة الكافرين وحياة من يشتغل باللعب واللهو وأول الآية« اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ».