وأنّ من قصد سلوكه يشترط أن يوطّن نفسه وقلبه على احتمال الشّدّة وإلّا فلا يتمّ له ذلك ، ولهذا المعنى صار الكثير من أهل الورع والسّابقون إلى جبل لبنان وغيره فاقتصروا على أكل الحشيش وثمرات تافهة لا شبهة فيها بحال ، فمن سمت همّته إلى نيل منزلة الورع الأعلى فعليه أن يحتمل الشّدائد ويصبر عليها ، ويسلك طريق أولئك
شرح
تعالى ويسره على ذلك والورع ورعان ورع فرض وورع حذر فالورع الفرض الورع عن معاصي اللّه تعالى والورع الحذر الورع عن الشبهات ولذلك قال العلامة أبو الليث رحمه اللّه علامة الورع أن يرى عشرة أشياء فريضة على نفسه أوّلها حفظ اللسان عن الغيبة لقوله تعالى« وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً »والثاني الاجتناب عن سوء الظن لقوله تعالى« اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ »ولقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إياكم والظن فإنه أكذب الحديث » والثالث الاجتناب عن السخرية لقوله تعالى« لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ »والرابع غض البصر عن المحارم لقوله تعالى« قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ »والخامس صدق اللسان لقوله تعالى« وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا »والسادس أن يعرف نعمة اللّه على نفسه لكيلا يعجب بنفسه لقوله تعالى« بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »والسابع أن ينفق ماله في الحق ولا ينفقه في الباطل لقوله تعالى« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا »يعنى لم ينفقوا في المعصية ولم يمنعوا من الطاعة « وكان بين ذلك قواما » أي عدلا . والثامن أن لا يطلب لنفسه العلو والكبر لقوله تعالى« تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً »والتاسع المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها بركوعها وسجودها لقوله تعالى« حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ »والعاشر الاستقامة على السنة والجماعة لقوله تعالى« وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ »( و ) اعلم ( أن من قصد سلوكه ) أي الورع ( يشترط أن يوطن ) أي يقرر ( نفسه وقلبه على احتمال الشدة ) والمشقة ( وإلا ) أي وإن لم يوطن نفسه على ذلك ( فلا يتم له ذلك ) الورع أي سلوكه ( ولهذا المعنى ) المذكور وهو توطين النفس والقلب على احتمال الشدة والألم ( سار ) أي رحل ( الكثير من أهل الورع و ) سار ( السابقون ) إلى الخيرات ( إلي جبل لبنان ) بضم اللام : جبل بالشام ( وغيره ) أي غير هذا الجبل من بطون الأودية والفلوات ( فاقتصروا على أكل الحشيش ) أي الكلأ اليابس ( و ) أكل ثمرات تافهة ) أي خسيسة تفه الشئ تفها من باب تعب وتفاهة أيضا إذا خس وحقر فهو تافه كذا في المصباح ( لا شبهة فيها ) أي في تلك الثمرات والحشيش ( بحال ) من الأحوال ( فمن سمت ) أي علت ( همته إلى نيل منزلة الورع الأعلى فعليه أن يحتمل الشدائد و ) أن ( يصبر عليها ) أي على مقاساة تلك الشدائد ( و ) أن ( يسلك طريق أولئك ) الذين هم أهل الورع والسابقون إلى الخيرات الساكنون