تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢

[ لكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه وبيان معنى قول الصديق : سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ]

إذ هي المطيّة والآلة ، ولا مطمع أيضا
شرح
والحاصل أن لكل شئ وجهين : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه ؛ فهو باعتبار وجه نفسه عدم ، وباعتبار وجه اللّه موجود ، فإذن لا موجود إلا اللّه ، فإذن كل شئ هالك إلا وجهه أزلا وأبدا ، ولم يفتقر هؤلاء إلى قيام الساعة ليسمعوا نداء الباري« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا وهذا الذي ذكر مبدأ من مبادئ علوم المكاشفة ، ووراء ذلك أسرار يطول الخوض فيها ؛ فوجه في كل ذي وجه إليه« فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ »فإذن لا إله إلا هو فلا هو إلا هو ؛ لأن هو عبارة عما إليه إشارة كيفما كان فلا إشارة إلا إليه ؛ بل كل ما أشرت إليه فهو بالحقيقة إشارة إليه ؛ وإن كنت لا تعرفه أنت بغفلتك فكل ما في الوجود فنسبته إليه في ظاهر المثال كنسبة النور إلى الشمس ؛ فإذن لا إله إلا اللّه توحيد العوام ، ولا هو إلا هو توحيد الخواص ؛ لأن هذا أدخل لصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة ؛ ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية ؛ فليس وراء ذلك مرقى ؛ إذ المرقى لا يتصور بكثرة فإنه نوع إضافة يستدعى ما منه الارتقاء وما إليه الارتقاء وإذا ارتفعت الكثرة حقت الوحدة ؛ وبطلت الإضافة ؛ وطاحت الإشارة ؛ فلم يبق علو ولا سفل ولا نازل ولا مرتفع ؛ فاستحال الترقي واستحال العروج فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة كثرة ، ولا مع انتفاء الكثرة عروج ؛ فهذا غاية الغايات ومنتهى الطلبات يعلمه من لا يعلمه وينكره من يجهله ، وهو من العلم الذي هو كهيئة المكنون انتهت عبارته ملخصا . وأما قول أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه : سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ؛ فقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : ليس يريد الصديق رضى اللّه عنه أنه لا يعرف لأن العجز عند المحققين عجز عن الموجود دون المعدوم كالمقعد عاجز عن قعوده ؛ إذ ليس بكسب له ولا فعل ، والقعود موجود فيه ؛ كذلك العارف عاجز عن معرفته ، والمعرفة موجودة فيه لأنها ضرورية . وعند هذه الطائفة المعرفة به سبحانه في الانتهاء ضرورية ؛ فالمعرفة الكسبية في الابتداء ، وإن كانت معرفة على التحقيق فلم يعدها الصديق رضى اللّه عنه شيئا بالإضافة إلى المعرفة الضرورية كالسراج عند طلوع الشمس وانبساط شعاعها عليه اه فلا مزيد لحسنه . وأرى الآن قبض عنان البيان فما أراك تطيق من هذا الفن أكثر من هذا المقدار ، ولنرجع إلى شرح كلام المصنف ( إذ هي ) أي النفس ( المطية ) أي المركب للروح ( والآلة ولا مطمع ) أي لا طمع ولا رجاء ( أيضا ) أي كما أنه لا يمكنه قهرها بالكلية كالشيطان . قال العلامة عبد الرحمن البناني نقلا عن شيخ الاسلام زكريا : ولفظ أيضا هو مصدر آض يئيض أيضا : إذا رجع يرجع رجوعا وهو مفعول مطلق حذف عامله : أي ارجع إلى الإخبار بكذا رجوعا أو حال حذف عاملها وصاحبها : أي خبر بكذا راجعا إلى الإخبار به ، وإنما تستعمل بين شيئين بينهما توافق ، ويغنى كل منهما عن الآخر ، فلا يجوز حاء زيد أيضا ، ولا جاء زيد وقام عمرو أيضا ،